الرئيسية » » هَوَاءُ العَائلَةِ (3) | شريف رزق

هَوَاءُ العَائلَةِ (3) | شريف رزق

Written By هشام الصباحي on الاثنين، 8 ديسمبر 2014 | ديسمبر 08, 2014


      هَوَاءُ العَائلَةِ (3)
    شريف رزق

I
           يَبْدَأُ يَوْمِي بِانْقِبَاضٍ غَامِضٍ .

II
الأوْرَاقُ على الطَّاولةِ ، كَمَا هِيَ
وَبَقَايَا شَاي المسَاءِ .
جَلَبَةٌ تَسْتيقِظُ في الشَّارعِ
وفي رَأسِي تَصْحُو الحَرَائِقُ .

III
على سُلَّمِ المترو
المرْأَةُ الَّتي تَبِيْعُ المنَادِيْلَ
مِنْ بَيْن زِحَامِ الصَّاعِدِيْنَ
تُلاحِقُنِي بنَظْرَةٍ
أرْتَجِفُ لَهَا.

IV
-        أينَ ذَهَبَتْ المكتبةُ منْ حُجْرتِكَ يَا شَريف؟
-        ذَهَبَتْ مَسَاءً . قُمْتُ وَلمْ أجِدْهَا .
-        وَأيْنَ ذَهَبَتْ الصُّورُ الَّتي حَطَّمَتْ بَرَاويزَهَا ، على جُدْرَانِ حُجْرتِكَ يَا شَرِيف؟
-        الحُجْرَةُ أيضًا غَادَرَتْ ، وَكُنْتُ فيْهَا .
-        وَإلى أيْنَ تَذْهَبُ الآنَ يَا شَريف؟
-        على آثارِهِمْ ، تَقُودُنِي أنْفَاسٌ إليْهِمْ .

V
بعيدًا حَتَّى عنْ جَسَدِي
أجْلِسُ على شَاطِئِ البَحْرِ وَحْدِي
بريئًا منْ كُلِّ مَا يَحْدُثُ .

VI
كيفَ أصْبَحَتْ البلادُ مُسْتَنْقَعًا لا يُطَاقُ إلى هذا الحَدِّ ؟ .

VII
أمَامَ بيتِنَا القدِيْمِ
في انْتِظَارِ الصَّبيِّ الَّذي كُنْتُهُ
قادِمًا على نَبَضَاتِ أمُّهِ
في الحَارَةِ القدِيمَةِ الَّتي كَانَتْ هُنَا .

VIII
يدِي في يدِكَ
وَنَحْنُ نَقْطَعُ طَريقَ العَودَةِ الليلِيِّ
وَدَائِمًا أتَعَثَّرُ في شَيءٍ
 وَتَنْهَرُنِي يَا أبِي .

IX
عَجُوزٌ نائِمٌ في ظِلِّ شَجَرَةٍ
تَتَسَلَّلُ منْ صَدْرِهِ الثَّعَالِبُ
وَتَتَجَمَّعُ على حَافَّةِ التُّرْعَةْ .

X
صَعْبٌ أنْ تُدْرِكَ الآنَ كَمْ عِشْتُ أحِبُّكَ
أنْتَ المصَابُ بنَزْفٍ في المخِّ
حُزْنًا على فِرَاقِ أقْرَبِ أوْلادِكَ إليْكَ
أنَا حَذَّرتُكَ مِنْ بُكائِكَ على قَبْرِهِ وَحْدَكَ
لكِنَّكَ كُنْتَ تُجِيْبُنِي بالأنِيْنِ
هَلْ تَعْلَمُ الآنَ مَا حَمَّلتَنِي يَا أبِي
مُنْذُ هذِهِ الليلَةِ في العِشْريْن مِنْ يوليو 2003 ؟
صَعْبٌ أنْ تُدْرِكَ الآنَ يَا أبِي كَمْ عِشْتُ مُعَذَّبًا بآلامِكَ
دُوْنَ أنْ أقْوَى - وَلو لمرَّةٍ - على دَفْعِهَا عَنْ كاهِليْكَ
صَعْبٌ أنْ تُدْرِكَ الآنَ كَمْ أحْمِلُ منْ الجُثثِ في جَسَدِي
وَأنَا أغَادِرُ حُجْرَتَكَ مَسَاءَ كُلِّ مَرَّةٍ يَا أبِي

XI
وَضَعَتْنِي أمِّي في ليْلَةٍ شَاتيَةٍ
كَانَ صَوْتُهَا مُنْشَرِخًا، وَكَانَتْ تُلاحِقُنِي
بعينيْنِ دَامِعَتيْنِ وَمُعَذَّبتَيْنِ
كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ جَدَّتِي
أتَعَذَّبُ بالضَّوءِ ، وَالشَّيخُ الَّذي
دَخَلَ في المشْهَدِ فَجْأَةً ، وَتَسَلَّمَنِي
 غَمْغَمَ في أذُنِيْ بكَلامٍ ،
 ثُمَّ تَفَلَ في فَمِي  
،وَكَبَّرَتْ جَدَّتِي .
XII
اصْطَدَمَ بي صَبَاحَ هَذَا اليَوْمِ وَحَيَّانِي مُعْتَذِرًا
كَانَ مِنْ الواضِحِ أنَّهُ لمْ يَعُدْ يَعْرِفُنِي
أوْمَأتُ إليْهِ بابتسَامَةٍ وَأنَا أكْتُمُ غُصَّةً
زَميلُكَ في الابتدائيَّةِ يَا أبِي .

XIII
      آلو
كَيْفَ أنْتِ الآنَ يَا أمِّي ؟،
طَمْئِنِيْنِي عَليْكِ
الحَمْدُ للهِ
       نَحْنُ مُذْ مِتِّ في انْتِظَارِكِ دَائِمًا
خَالتِي أحْوَجُ مَا تكونُ إليْكِ حَاليًا
وَنَحْنُ قَدْ هَرِمْنَا في غِيَابِكِ،
في المنزلِ الَّذي أصْبَحَ مَقْبَرَةً عَجُوزًا
سَأُبَلِّغُهُمْ جَمِيْعًا يَا أمِّي .
XIV
      أَضَعُ جَسَدِي على السَّريرِ
      أُقدِّمُ الوَجْبَةَ اليوميَّةَ لِلْكَوابيسِ .

تُوقِظُنِي ، مُنْذُ مَاتَتْ ، أمِّي ، وَلا أرَاهَا .

قِطَارٌ يَعْوِي وَحْدَهُ في الظَّلامِ .

قِطَّةٌ ، على عَتَبَةِ البَيْتِ ، في وَدَاعِي ، دَائِمًا ، بِنَظْرَةٍ حَانيَةْ .

جَحِيْمٌ في انْتِظَارِي ، في كُلِّ شَارعٍ .

أنَا مَرِيْضٌ بِكِ ، وَأعْرِفُ ، بالتَّحدِيْدِ ، دَوَائِي .


       XV
تَكَادُ أنْ تَمُوتَ مِنْ الرُّعبِ،
 وَأنْتَ عَائِدٌ إلى شقَّتِكَ ليْلاً
حِيْنَ تَجِدُ مَارِدًا أسْوَدَ في انْتِظَارِكَ
يَدْعُوكَ باسْمِكَ
أنْ تتبعَهُ في هدوءْ .

XVI
حُجْرَتِي
هِيَ الرَّحِمُ الَّذي أعودُ إليْهِ آمِنًا
وَأُغْلِقُ بَابَهُ عَليّْ .

XVII
أنْ أجِدَ البَابَ مَفْتُوحًا
وَأنْ أدْخُلَ على وَجَلٍ مُحَاذِرًا
وَأنْ أجِدَ الجَريمَةَ في انْتِظَارِي
وَأنْ أتَلاشَى في جُثَّتِي .





التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

Google ads