حسن نجمي يترجم «عراء الحياة» للشاعرة البرتغالية صوفيا دي ميّلو الشمس تنتشي بالشعر

حسن نجمي يترجم «عراء الحياة» للشاعرة البرتغالية صوفيا دي ميّلو
الشمس تنتشي بالشعر

     
محمد نجيم

أنجز الشاعر والمترجم المغربي حسن نجمي ترجمة ديوان “عراء الحياة” للشاعرة البرتغالية صوفيا دي ميلو أندريسن التي رأت النور في سنة 1919 وتوفيت في سنة 2004 مخلفة وراءها دواوين شعرية أغنت المشهد الشعري العالمي. اشتغل نجمي على نصوص الديوان التي أعدها وترجمها إلى الفرنسية ميشال شانديني.


انجذب نجمي إلى ديوان هذه الشاعرة، مثله مثل جيل شعراء يسري الشعر في دمهم، ويلهثون كما كل جيل مؤسّس إلى الاطلاع على ما تقدمه دار النشر الفرنسية العريقة “غاليمار”، التي عرفت بنشرها لسلسة شعرية جميلة حققت شهرة واسعة من خلال تقديم دواوين كبار الشعراء ومشاهير الشعر الفرنسي منهم: أبولينير، رامبو، ملارميه، وغير هؤلاء من صنّاع الشعر الفرنسي الحديث.


أقول، انجذب حسن نجمي إلى شعر شاعرة “عراء الحياة”، “انجذاب الفراشة إلى الضوء”. فهو يقول: “كنت برفقة صديقي الشاعر عبد القادر وساط قد اعتدنا أن نتردد على طنجة، قادمين من مدينة أصيلة القريبة حيث دأبنا على أن نقضي عطلتنا الصيفية فيها”.




يؤكد حسن نجمي أن المترجم “الذي عرف بترجماته الجدية والمواظبة عن البرتغالية إلى الفرنسية اصطفى عدداً من النصوص التي تكثّف تجربة شعرية غنية ووازنة لشاعرة برتغالية كبيرة تظل صعبة عن كل تكثيف أو اختزال. ونحن نجد نصوصاً من دواوينها الشعرية: أشعار I، يوم البحر، مرجان، في الزمن الموزّع، الكتاب السادس، جغرافيا، مثنوية، اسم الأشياء، إبحارات، وجزر. وكذا من حركاتها: الأولى، والثانية، والثالثة، كما نجد نصاً موازياً شفيفاً للشاعر والناقد البرتغالي فاسكو غراسا مورا يقدم الشعر والشاعرة بمحبة لهما، وبرؤية نفاذة آثرت أن أعربه للاستئناس”.
المترجم لم يكن يعرف الشاعرة من قبل، لكن أن تترجم وتقدم إلى قراء الفرنسية عبر سلسلة “غاليمار” الشهيرة لم يكن هيناً وليس مفاجئاً لأي شاعر أو شاعرة خارج لغة فيكتور هيجو أو حتى نابليون. لكن ـ يقول نجمي ـ “اكتشفتها هكذا كقارئ، مصادفة، فيما كنت أبحث بين أرفف الكتب باحثاً عما أقرؤه خلال عطلة الصيف 2003.


ولم أكن أعرف الكثير من الأسماء الشعرية البرتغالية فأضفت اسماً جديداً ومهماً إلى الذاكرة. طبعاً، تعرفت إلى صديقنا جميعا فرناندو بسوا الذي اكتشفناه كظاهرة أنداد متعددين لشخص واحد، قبل أن نحبه ونتعلق بأفقه كشاعر عظيم.

وقرأت قليلاً من ساراماغو كشاعر، إضافة إلى كونه كاتباً وروائياً كبيراً. كما قرأت القليل من أنطونيو راموس روزا، أوجينيو دي أندرادي الشاعر الذي يعتبر أكثر شعراء البرتغال الذي ترجموا إلى اللغات الإنسانية بعد بّسوا


كما تعرفت مباشرة إلى بعض الشعراء البرتغاليين ممن جمعتني بهم مهرجانات ولقاءات شعرية عالمية أو استضفنا بعضهم في المغرب، ضمن تظاهراتنا الشعرية، من أمثال باولو تيكسيرا، دي بريطو، والشاعر الصديق نونو جوديس الذي قرأته من بعيد فأحببت صوته وتجربته الشعرية والجمالية، وسعيت إلى لقائه والتعرف إليه”.



 

يعرفنا الشاعر حسن نجمي على هذه الشاعرة بكونها “ولدت صوفيا سنة 1919 بمدينة بورطو من عائلة أرستقراطية انحدرت سلالتها من الدانمارك. التزمت سياسياً في إطار اليسار، ضمن الحزب الاشتراكي البرتغالي الذي كان يرأسه المناضل الكبير ماريو سواريس. فساهمت في كل المعارك التي خاضها الشعب البرتغالي ضد الديكتاتورية العسكرية، في أفق تحقيق الحياة الديمقراطية. وعلى الرغم من أصولها الاجتماعية الأرستقراطية، فإنها بفضل التزامها ومواقفها التقدمية ومكانتها الشعرية والأدبية أساساً أضحت وجهاً شعبياً محبوباً في بلادها. وبفضل هذه المكانة المتميزة، رشّحها حزبها للانتخابات التشريعية، ففازت وأصبحت عضواً في البرلمان البرتغالي. وظلت تسكن في حي غراسا بلشبونة، حيث حظيت بكل أنواع التقدير الشعبي والرمزي إلى أن تدهور وضعها الصحي، لتسلم روحها ـ بعد مصارعة للمرض ـ في 2 يوليو 2004”.


ويشير نجمي في توطئته القيمة لهذا الديوان قائلاً: “سيكون من الصعب أن أتحدث عن شعرها من خارج لغته الأصلية، إذ لم أقرأه إلا باللغة الفرنسية، لذلك، آثرت أن أعرب كلمة الشاعر والناقد فاسكو غراسا مورا التي قدم بها منتخبات الشاعرة بالفرنسية.


ومع ذلك، فإن شعر صوفيا في الفرنسية لم يفقد قوته وجلاله وجماله، وتميز فضاءاته الساحرة.

وسواء في الفرنسية أو في العربية، يمكننا أن نصاحب عملاً شعرياً مضيئاً، تملأ شفافيته القارئ بالحلم والاستيهام الجميل بلحظات الحياة التي غطتها ظلال الأزمنة. ولعل قوة المترجم الكبير ميشال شانديني منحت حضور هذا النص البرتغالي في الفرنسية بعضاً من الأنفاس التي يحتاج إليها قارئ عابر ليتوقف. وقد توقفت فعلا لأتغذى ولأتعلم.



في شعرها، ثمة الكثير من الضوء والتماع مياه البحر على الرمال. ثمة أيضاً ذلك “الانتشاء الشمسي”، ذلك الاحتفاء بنهار البحر وبالعناصر العضوية للطبيعة، خصوصاً كل عنصر مضيء أو مضاء على الرغم من بعض الظلال التي تلقي بنفسها أحياناً على أطراف المشهد الشعري، وكلها تغذي أحد أجمل الآثار الشعرية الإنسانية التي بقدر ما كانت جسورة وقوية وصلبة، كانت لا تخلو من بعض الهلع على مصير الذات المتكلمة أو على مصائر الناس أو مصير العالم العضوي نفسه. ففي شعر صوفيا، الإنسان هو معيار القصيدة ومرتكزها، هو منطلقها ومؤْئلها.


شاعرة تصطفي أمكنتها الشعرية بروية بصرية عميقة، فيها حس الجمال وعمق المعرفة وذكاء النظرة والخبرة الشخصية التي تجعل من حركة الشاعرة أمام المشهد رقصة كائن بدائي أمام النار أو أمام البحر. ما يشبه رقصة طقس روحي أو حركة تعبّد وثنية مخصوصة وأنيقة.


والآن، إذ انقل هذه المنتخبات إلى العربية أحس بغبطة أن أقرب شعراً عميقاً إلى القراء العرب. وفي الترجمة، في كل ترجمة وخصوصاً ترجمة الشعر، دائماً هناك اجتهاد للمكوث قريباً من النص الأصلي، ومحاولة لتلميع المعنى الشعري وترصيعه في هجرته إلى لغة جديدة، على الرغم مما قد يلحق أضلع جسد الشعر من بري خفيف”.


أما الناقد والشاعر البرتغالي فاسكو غراسا مورا، فيصف شاعرة “عراء الحياة” بـ”شاعرة كاثوليكية بالمعنى الأكثر دقة للكلمة، تنقل صوفيا يقينياتها الميتافيزيقية على مستوى الوجود والمعيش.


فهي تحصِّل نوعاً من الرخام اللفظي الذي يخفق في عطشها للضوء، لكنها تعرف أيضاً الظلال المهددة لدنس العالم ولمعان الرفض. إن الرفض كلمة أخرى أساسية لدى صوفيا: رفض صارم للمشاركة في أوساخ ولا أخلاقيات حياة جماعية هي في الواقع خبزها اليومي. وهو ما جابهته صوفيا بأرستقراطية أخلاقية ـ روحية ـ حقيقية كمبدأ للثقافة والكرامة الإنسانية. هذه الصرامة، كانت تريدها أن تصل إلى حد لغة التخاطب. ذات يوم كنت بحضورها أعلق قائلاً إن البرتغاليين يبتلعون كثيراً بعض المقاطع اللفظية كلما تكلموا لغتهم، وأذكر الطريقة الودودة ولكن القاطعة التي حسمت بها السؤال بإيجاز: “إن الناس الذين تلقوا تربية جيدة لا يبتلعون أي مقطع لفظي”!


إن هذا الهاجس بأن تبقي على رنين الكلمات صافياً على الدوام، أراه شبيهاً بهاجس ذلك الذي يسهر على المادة الخام لشعر يريده أن يكون مشدوداً إلى شفوية بدئية، جوهرية ومشعّة” مشيراً إلى الحضور “المتعدد لمتخيل معين، مسكون بالوجوه والشخصيات التي كان مصيرها قد مارس على صوفيا افتناناً مديداً – الدوق غانديا، سان فرانسوا دو بورجا، إيزابيلا البرتغالية، لويس دو كامْويشْ، اللورد بايرون، فييرا دا سيلفا، فرناندو بيسوا -، كائنات استثنائية انخرطت في معارك ضد الموت، ضد العزلة، ضد الضعف، ضد أشكال متعددة وصماء من القهر.


وذلك كما لو كنا نحمل بداخلها، بصورة غامضة، أصداء لأفعالها التي تسعفنا الشاعرة على أن نكتشف بصمتها في مادة الإنساني ذاتها حتى يمكننا بالتالي استعادة شروط حرية، ممكنة على الرغم من العوائق، يتم تشييدها انطلاقاً من الأمل، على الرغم من الانحطاط المترصد.


يمكن للخلاص، بالنسبة لصوفيا، أن يُدرك عن طريق القصيدة بما هي متابعة للواقعي ـ للملموس ـ لكنه يُستعاد أيضاً باتباع هذا المجرى الذي أضاءه آخرون بعظمتهم التراجيدية وبه نستعيد لحسابنا، وفي نطاق إرادتنا الحرة، المادة المُجدية، النتيج الخصب للبعد الفردي أو للتاريخ الجمعي”.


يبقى أن نقول إن الشاعر حسن نجمي قدم لنا هذه الشاعرة الرقيقة حد العنف والجميلة حد الصلابة بترجمته النفاذة إلى أعماق النص الشعري الذي تنفرد به هذه الشاعرة.


صدر هذا الديوان ضمن سلسلة “مختارات شعرية” التي تنشرها دار فضاءات للنشر في الأردن بغلاف زين بلوحة للفنان نضال جمهور.

ونقرأ من ديوان “عراء الحياة”:

الشَّاعرُ التْراجِيدي

“فِي البَدْءِ كانَتِ المَتاهَةُ/ القَصْرُ السِّرِّي لِلرَّهْبةِ الخَرْساءِ/ حَمَلَ الخوْفَ إلَى الخارِجِ/ وأَعْلنَ عنْهُ في صَقيلِ الأَرْوِقةِ داخِلَ المَرَبّعِ/ الشّمْسِيّ لِلْعَراءِ والمُنازَلةِ/ واسْتعْرضَ الخَوْفَ مِثْل ثَوْر مُرَوّض”.


كاسياس

“الضَّوْءُ مَبْتور فِي هذَا الصَّباحِ البَارِد/ الجُدْرانُ والأَرْوِقةُ مَدْخَلا مَدْخَلا/ إنَّ حُبِّي لكَ عَمِيق وبَالِغ/ تُؤَكِّدُه شِبَاُك هذَا اليَوْمِ”.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

مصطفى شريف يكتب عن روايات جرجى!