فرانز كافكا .. سيد الصرخات الصامتة | إبراهيم سعد

إبراهيم سعد
 



“من السهل رؤية أن قواي كلها تركزّت في الكتابة، فقد كانَ جليّاً في كينونتي أن الكتابة هي الوسيلة الأكثر وفرة لوجودي، ولهذا فقد اندفعُ كل شيء في هذا الاتجاه مُخلفّاً وراءه كل قدراتي في بهجة الجنس، الأكل، الشرب، تأملاتي الفلسفية وفوق كل هذا الموسيقى، لقد ضمرتُ في كل هذا، وكان لابدّ من ذلك، لأن قواي كلها بالكاد تفي لغرض الكتابة ”

هناك من يكتب لإرضاء معاصريه وقرّائه ، وهناك من يكتب لأن الكتابة إحدى هواياته، وهناك من يكتب للموتى ولا يدري أن قرّاءه في المقابر،  وهناك من يكتب لأنه إن لم يكتب يمت ، ولأن الكتابة هي المبرر الوحيد لبقائه على قيد الحياة، بعد سقطته الأولى في الأرض .

هذا النوع الأخير، يقذف على الورق دفعة واحدة كل ما يمور داخله من أفكارٍ ومشاعر، وكل ما يتصارع داخله من أضداد، يرسم لوحة كاملة عن حياة داخلية لم يُكتب لها الظهور في الواقع ..لذلك فإن الكتابة هي الوسيلة الأكثر وفرة لوجوده .

وسيد هذا النوع ، سيد الصرخات الصامتة هو فرانز كافكا

السقطة الأولى


في 3 يوليو 1883 م ، سقط إلى الأرض الكاتب التشيكي، الذي ارتبط اسمه بكل ما هو مظلم  (فرانز كافكا )، لكن سقوطه لم يكن عادياً، بل إنه ـ  كما وصفه ـ كان سقوطاً ثقيلاً، ولم يشعر معه بأيّ ألم، ولكنّه شعر بضعفٍ وتعاسةٍ دفعاه  ليدفنَ وجهه في التراب، ولم يعدْ يحتملُ رؤية أيّ شيءٍ على هذه الأرض .

كان كافكا منتميًا إلى يهود الطبقة الوسطى التي تتحدث الألمانية، وقرب دخوله المدرسة أرسله أبوه “هرمان” تاجر التحف الثري إلى المدرسة الحكومية، ثم إلى الجامعة الألمانية في براغ ليدرس القانون.

وصفه المقربون منه بأنه كان يستعين أثناء حديثه بأعضاء جسمه ووجهه كاملة، وكان بسيطًا خجولاً، يائسًا، معذبًا، وكانت سمة حياته البارزة هي الغضب الذي يولده القلق.

عاش “كافكا” معظم حياته في عزلة، فالتشيك يرونه ألمانيًّا، والألمان يرونه يهوديًّا، واليهود الأصوليون يرونه علمانيًّا، أما الإحساس الأعلى بالعزلة لدى كافكا فكان بسبب علاقته المتوترة دائمًا بمن حوله، سواء أبوه أو أمه أو المجتمع ككل، لقد كان يشعر بالقهر، لكنه لم يكن يسعى لتغيير هذا القهر وإنما يكتفي فقط بفضحه وتعريته .

كافكا والكتاب

من وجهة نظري، كافكا من أكثر الكتّاب الذين وجدت بينهم، وبين كتاباتهم تطابق لا نهائي. وبشكل أوضح، من أراد أن يُدرك، ويفهم كلمات كافكا، عليه أولاً أن يعرف نظرة كافكا نفسه للكتاب .

“نحن لا نبحث عن السعادة والضحك في الكتاب لأننا يمكننا أن نجدها خارجه وبدونه، لكننا نبحث عن حزن مترف . و أعتقد أنه يجب علينا فقط قراءة النوع من الكتب التي تدمينا بل وتغرس خناجرها فينا، نحن بحاجة إلى الكتب التي لها وقع الكارثة ، الكتب التي تُحزننا بعمق مثل وفاة شخص نُحبه أكثر من أنفسنا، مثل أن نُنفى بعيدا في غابة بمنأى عن الآخرين ، وكأنه الانتحار. يجب أن يكون الكتاب هو الفأس الذي يكسر جمودنا ”

ومن هنا نفهم أن كتابات كافكا ليست للجبناء. ببساطة شديدة عندما نفكر في القراءة لكافكا ، فإننا نفكر في إعلان الحرب على أنفسنا أولاً قبل أن نعلن الحرب على الكثير من الأشياء الجامدة فينا.

” إن كافكا خلق  عالمه بمواد عالمنا مع إعادة ترتيبها وفقاً لقوانين أخرى تماماً كما فعل الرسامون التكعيبيون في نفس الفترة ” .

يخرجك من صف القرّاء مرة واحدة، ويضعك في عالمٍ  التفاصيل، والأفكار، والحركات العبثية التي تنتهي لمصير واحد، ورغم ذلك فإنك لا تدرك هذا المصير، بل تشعر كأنك أمام العشرات من النهايات جميعها في وجهة نظرك حتمية !

“يمضي بقصته في طريقها ما وسعه المُضي حتى إذا أدركه الأعياء ، أو انتهى إلى بعض الطريق وجد أمامه سداً منيعاً لا يستطيع تجاوزه ، فيقف حيث ينتهي به السعي ، فيستأنف السير في طريق آخر فينتهي منه إلى مثل ما انتهى إليه في الطريق الأولى ”


نماذج من صرخاته


من يقرأ لفرانز كافكا، لن يستطيع أن يجد تعريفاً سهلاً له، وذلك لأن هذه إرادته، وربما سعى لهذا الأمر في جميع أعماله.

“لا أرغبُ أبداً في أن أكون سهلَ التعريف، بل أفضّلُ أن أطفوَ فوق عقول الآخرين كشيءٍ مائعٍ لا يمكنُ إدراك ماهيّته؛ أفضّلُ أن أكون مخلوقاً شفّافاً ذا ألوانِ قوسِ قزحٍ متداخلة على أن أكونَ إنساناً حقيقيّا “.

لكن من خلال بعض أعماله، والتي تعد من وجهة نظري صرخات لم تجد المجال لتخرج مدوية من أعماقه، لكنها وجدت مجالها على الورق، يمكننا تخيل صورة ـ وإن كانت مشوّشة بعض الشيء ـ عن هذا الغريب .

1 –  الجحر


بالنسبة لي كان هذا العمل الأدبي، أكثر الأعمال المعبرة عن كافكا وحياته، وعن حالته النفسية والاجتماعية ، التي اختار أن تكون المحرك الأساسي له خلال تلك الفترة القصيرة التي عاشها في هذه الدنيا .

بعد الانتهاء من هذا العمل، ستشعر كأن كافكا أتى إلى هذا العالم نتيجة اجتماع كل القوى المظلمة مرة واحدة . العبث، الحزن، الوحدة، الظلام، الخوف، القلق، القهر..

بطل هذا العمل الغريب حيوان قرر أن ينعزل عن العالم في جحر مضى معظم أيام حياته في تأسيسه ، وتصميمه ليلائم هذه العزلة، حيوان سرعان ما تدرك أنه يمكن أن يكون إنساناً أيضاً .

وأن مثله من البشر تنتهي أيامه المعدودة في الحياة وهو يحاول أن يحمي عزلته ويصمم جحره الخاص ، والذي هو في عينه المنبع الوحيد للأمان . جحر يندمج ويتوحد تدريجياً مع صاحبه ، فلا يمكن تصور أحدهما دون الآخر.

في هذا العمل، نجد بعض المقولات التي كتبها كافكا على لسان الحيوان، مقولات تعبر بشدة عن نفسية كافكا وحياته ، خصوصاً أن هذا العمل كتبه كافكا في السنة الأخيرة قبل وفاته،

ومن هذه المقولات : “ليس لي أن أشكو من كوني وحيدا، الوحدة برغم كل ما فيها، إلا أنها تمثل الحل الوحيد لكافكا ولكل من يشبهه، الوحدة التي تنتج غالباً من حزنٍ شديد يحمله المرء في أعماقه، فينعزل كالغزال الجريح ، يتوارى عن الناس في جحره ، ويقيم علاقة جديدة مع عزلته ، علاقة تجعله يرفض أي محاولة لاقتحام هذه العزلة … ومن أجل هذا الغرض ـ أن يحمي عزلته ـ لا بد أن يكون بغيضاً في أغلب الأوقات”.

قد حصلت على ما يكفيني من تلك الحياة الخارجية ، لا يوجد المزيد مما يمكن أن اتعلمه هنا هذه الحياة الخارجية بكل ما تمور به من صخب ، وأخطار، لا يمكن أن تضيف جديداً لحياة شخص توحد مع جحره، فالحيوان ما أن خرج من جحره ليراقبه، ويشعر براحة معنوية عندما يرى الأمان الذي يوفره له ، أدرك حينها كم ان هذا الجحر أفضل بكثيرِ من الحياة بخارجه، وربما الفضل الوحيد لهذه الحياة الخارجية، أنها جعلته يدرك ضرورة انعزاله عنها، كأنها ترفضه تماماً، وتسعد لوجوده في باطنها .

لذلك، وأنت غارق في وصف كافكا لمحاولات الحيوان الكثيرة لجعل جحره أكثر استعداداً لمواجهة أي خطر خاريج، ستتذكر على الفور قول طه حسين عن فرانز كافكا :

” فأنت إذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأماً ، وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقاً وما تزال في هذه الحالة المعلقة مذ تبدأ الكتاب أو القصة إلى أن تفرغ منها “.

سوف يؤلمني أن أسمح لأي كائن بأن يتجول بحرية داخل جحري ، لقد بنيته لنفسي، وليس للزوار.

وهنا أتذكر قول خوان خوسيه مياس لما قال عن الوحدة : أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجيء من كوكب آخر، لا تعرف لماذا طردت منه .. عملية بتر غير مرئية، ولكنها فعالة جدًا كما لو كانوا ينزعون عنك السمع و البصر, هكذا هو الأمر, في معزل عن كل الحواس الخارجية, و عن كل نقاط الصلة, وفقط مع اللمس و الذاكرة يتوجب عليك أن تعيد بناء العالم, العالم الذي يجب أن تسكنه و الذي يسكنك, ماذا كان في ذلك من أدب و ماذا كان فيه من متعة؟ لماذا كان يعجبنا كثيرا .

وهذا ما فعله حيوان كافكا، أعاد بناء عالمه الخاص، وجعل وحدته فوق كل شيء . ومن يفني عمره كله في تأسيس هذا العالم، لا يقبل بالتأكيد أن يأتي أحدهم من الخارج، حتى لو كان صديقاً فيدمر ـ بقصد أو بدون قصد ـ عالمه >

ولما اقتحم الجحر هذا الصوت اللعين، الذي ظل يطارد الحيوان إلى أن افقده القدرة على التفكير ، وعلى المواجهة ، وعلى إعادة التحكم في الأمر، هذا الصوت لما اقتحم عالم الحيوان لم يأتِ وحده ، بل جاءت بذكريات مشوّشة ، وأخطاء لم ينتبه لها من قبل ، وأعداء محتملين يتخيل أن عدوه الأكبر – الصوت – منهم .

والنهاية ظلت مفتوحة ، لأن الصراع أبدي ومستمر

2 –  المسخ



عندما استيقظ جريجور ذات صباح بعد كوابيس مزعجة، وجد نفسه متحولا في سريره إلى حشرة هائلة .

بهذه العبارة بدأ كافكا عمله الغريب (المسخ):

كافكا هنا يضعنا بين طريقين لا ثالث لهما، إما أن تخضع لقوانين حياة فُرضت عليك منذ الولادة فباتت كأنها طبيعية وصحيحة، وبهذا الطريق ستفقد إنسانيتك بالتدريج إلى أن تتلاشى تماماً .

وإما عدم الخضوع لهذه القوانين، وهذا يعني الفناء والموت.

إما الموت بسلاح الغربة والحزن والصمت ، أو الموت الحقيقي بأن تفارق الحياة التي فرضت عليك .. إلى حياة أخرى تجهلها تماماً

وهذه الـ (قوانين) لا تقتصر فقط على الحياة الاجتماعية، بل كل جوانب الحياة !

وهذا ما حدث لجريجور بطل الرواية لما حاول الخروج عن هذا القانون، تحول إلى مسخ لا تقتصر مأساته في عجزه عن التأقلم مع الوضع الجديد، بل في موقف جميع أفراد أسرته منه ونظرتهم إليه .

إدراك قصد هذه الرواية ربما يكون نسبياً، أو ربما يتوقف على حالة القارئ،  أما أنا فرأيت فيها حقيقة يتظاهر البعض بأنها غير موجودة .

هي حقيقة وجود الإنسان الحزين في عالمٍ، ليس باختياره، هو فقط مرغم على الإستمرار في العيش مع جماعة من المنافقين والموهومين والكذابين، مع عدم وجود طاقة تكفيه لاحتمال كل هذه السفاهات .

وفي نفس الوقت عاجز حتى عن البوح بما يربض في قلبه من حزن ، فيختار الصمت دائماً للتعبير عن صرخته الداخلية ، ربما يتعاطف معه البعض (كما فعلت أخت جرجيور)، ربما ساعده البعض ، لكن في النهاية سيتركه الجميع في لحظة هي الأصعب تقريباً، سيتركه يرافق حزنه في صمت، كأن لكل شخص جحيمه الخاص ، وجحيم الحزين هو الوحده ، هو الجحيم الذي يجد نفسه فيه أكثر راحة، حتى يسلم روحه في صمت

3 –  فنان الجوع



شرع كافكا في كتابة (فنان الجوع) في السنوات الأخيرة من حياته، عن فنان يمتهن الامتناع عن الطعام لمدة أربعين يوما،ً كوسيلة لجذب الجمهور، وبطريقة كافكا المعتادة للخوض في أعماق المشاعر الإنسانية، يتناول قصة هذا الفنان وتفانيه في مهنته وعمله وكيف كان يهلك نفسه ويهلك كل شيء بداخله من مشاعر وعواطف، فقط لإسعاد الآخرين ، يظل يحاول، ويجاهد ليرسم البسمة أو الإعجاب على وجوههم ، حتى ينتهي به الحال فيُنسى كأنه لم يكن!

كافكا يضعك في موقف محرج، يضعك ما بين الواقع واللا واقع، يضعك بين حرية المعنى، وقيد اللا معنى، بين فضاء الاتجاه وضيق اللا اتجاه.

” فقارئ فرانز كافكا في الدنيا وليس فيها ، هو في عالمٍ غريب لا هو بالواقعي ولا هو بالوهمي، وإنما هو شئ بين الواقع والوهم، يملأ النفس حيرة وشوقاً وسأماً وإلحاحاً في وقت واحد”

كافكا نجح بشدة في وضعي داخل جسد هذا الفنان (فنان الجوع)،  تخيلت كثيراً كم كان يُعاني وهو يتحمل الجوع (جوع الطعام ، وجوع المشاعر ، وجوع التعاطف) فقط ليسعد من لا يهتم لأمره أصلاً !

نادراً ما نجد مثل هذا النموذج، نادراً ما نرى من يُعاني، ويتعب، ويضحي لأجل إسعادنا ، بعلمنا أو بدون علمنا، وفي النهاية إما نتجاهله ، وإما نقتله بأفعالنا، وإما يرحل عنا بعد أن وجد أننا نرفض وجوده، فعالمنا القاسي يتحكم بذواتنا فيرفض الطيب ، ويقبل الخبيث . وإما يقبل بالأمر الواقع ، فيبني عالماً داخل قلبه ، يبني مدينته الفاضلة ، مدينة مؤقتة حتى يذهب إلى العالم الآخر بعيداً عن معدومي الإنسانية على أمل أن يأتي أحدهم ليزوره ولو صدفة .

وكالعادة حين ننتهي من القراءة ، لا نصل إلى أرضٍ ثابتة ، إنما أنت معلق بعد الفراغ من القراءة كما كنت معلق في أولها ووسطها، ينتهي بنا الأمر لشيء لا يصلح أن يكون هدف أو غاية، الكاتب نفسه لا يملك غاية، أو نهاية يقف عندها.

4- في مستوطنة العقاب



أجمل ما في هذا العمل الصغير، أن كافكا يضعنا مرة واحدة داخل الرواية، تجد نفسك أمام هذه الآلة الغريبة، يستنزف تفكيرك في تخيلها بكل تفاصيلها، حتى أنك قد تعيد قراءة نفس الصفحه أكثر من مرة لترى صورتها بشكل أوضح .

تعجبت من قدرة كافكا الرهيبة في وصف هذه الآلة، كيف استطاع أن يذكر كل تفصيلة فيها بهذه الطريقة، كل أجزاءها الميكانيكية، كأنه يكتب كلماته أمامها ، ينظر اليها أولاً ثم يكتب!

شخصيات كافكا كالعادة هي شخصيات بائسة، تستسلم للأمر الواقع يحركها كيفما شاء، يظهر الخنوع والضعف والاستسلام لما يحدث، ويظهر هذا في شخصية المحكوم عليه الذي استسلم ببساطة لحكم الإعدام كالكلب الخاضع.

والضابط الذي يظن أن حياته الجميلة توقفت برحيل القائد القديم، وكم الكراهية التي يضمرها لقائده الجديد، في صورة رائعة تظهر كيف أن النفس البشرية ترفض أي تغيير أو تجديد، فالخوف على الآلة مرة، ثم الخوف على السلطة، ثم الخوف على أن تختفي الأساليب القديمة بقدوم أفكار جديدة، كأنه يرسم الصراع بكل تفاصيله داخل النفس، يرسمه من البداية المبهمة، إلى النهاية البائسة الحتمية !

عبقرية كافكا تظهر في وصفه للأشياء، في وصف خطوات الإعدام بطريقة عظيمة ومرعبة، ووصفه لتعلق الضابط بالآلة .. بماضيها العتيق، وحاضرها التائه، وصفه لخضوع النفس البشرية للأغبياء دائماً ليتحكموا فيها .

ووصفه للجندي وتلقيه الأوامر من قائده،  و للمستكشف كأنه ضمير الفرد، أو هي ذاك “الشئ الآخر ” الذي ما زلت ابحث عنه .. الذي قد نبني على اساسه قوانين وأفكار نضعها كأنها مسلم بها، نخافها، نحبها، نكرهها، وهي في النهاية أوهام قائمه على أساس من سراب .

,,
إنّي أحملُ في داخلي أعباءً من الحزنِ المحتّم ، إذ أنني وفي أيّ لحظةٍ قد أُسحَبُ إلى أعمقِ بحر، و الشخصُ الذي يحاولُ أن يمسكني أو حتى ينقذني سوفَ ييأسُ، ليس بدافع الضعف أو فقدان الأمل بل بدافع انزعاجه الكليّ منّي ،،

مات كافكا في نفس  يوم ولادته   بعد 41 عامًا في مدينة براغ عاصمة التشيك، أوصى كافكا صديقه ماكس برود بأن يحرق جل أعماله بعد موته. لم ينفذ برود الوصية، وواصل تحرير ما كان في ذلك الوقت خليطا مشوشاً، فصول غير مرقمة وغير مرتبة، نسخ عديدة لنفس العمل، صفحات مشطوبة، وبعض الأعمال التي لم يعنونها كافكا .

وبعد، الغرض من هذا المقال توضيح بعض جوانب شخصية كافكا من خلال صرخاته الصامتة المتمثلة في بعض أعماله، ولم يكن الهدف هو سرد لحياته الشخصية بجوانبها المختلفة كالحب ، والحياة العائلية .. الخ

يمكنك كقاريء أن تقول عن كافكا الكثير، ربما تلعنه، أو تحتقره، أو تنظر إليه نظرة الضعيف المستسلم لكل القوى القادرة على تدمير الإنسان، بل ويمكنك تمزيق أعماله بعد الانتهاء منها، لكن تأكد أن تلك الصورة الأولية التي أجبرتك على فعل هذا غير صحيحة، وأنك لن تستطيع الوصول لصورة واضحة لفرانز كافكا تمكنك من فعل ما تريد، وأنه – رغماً عنك – أجبرك على كسر الجمود حتى لو كان مؤقتاً!

وكما قلت من قبل، إن كان الوصول إلى تعريفٍ سهل لكافكا أمر في غاية الصعوبة، فإننا يمكننا توضيح الأمر بعض الشيء بكلماته ، عندما وصف نفسه قائلاً  :

,,
لا مبالٍ تماماً ومثيرٌ للشفقة؛ بئرٌ جفّت، والماءُ فيها على عمق يستحيلُ الوصول إليه، ولا شيءَ يؤكّد ما إذا كان هناكَ ماءٌ أصلاً. لا شيء، لا شيء. ما الذي هناكَ ليربطني بالماضي أو بالمستقبل؟ الحاضرُ شبحٌ يعبّرُ عنّي، فأنا لا أجلسُ إلى الطاولة بل أحومُ حولها. لاشيء، لا شيء. خواء، ملل، لا ليس مللاً بل مجرّد خواء، لامعنى، ضعف . ،،

بعث آينشتاين رسالة لتوماس مان،يشتكى من صعوبة قراءته لكافكا قائلاً:إن العقل البشري ليس معقداً الى الحد الذي يمكنه من فهم كافكا .






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

يَعْزِفُ للرّيح مبارك وساط | ترجمة إلى الإنجليزية سهاا السباعي