جذبه ادجار بو والشعر البرناسي ، ستيفان مالارميه رائد الرمزية وشاعر الغموض


جذبه ادجار بو والشعر البرناسي ، ستيفان مالارميه رائد الرمزية وشاعر الغموض



يختلف اسلوب الرواية عن اسلوب القصة القصيرة والشعر, فالاول سلس واضح يعني بالتفاصيل ويتشكل على مدى زمن ممتد طويل, والثاني يقدم رؤية مكثفة مختصرة للعالم, مليئة بالدلالات, ولأن الشعر المعاصر تغلغل بعيدا في هذه التخوم الصعبة التضاريس, تناقص عدد قرائه, ولما كانت المدرسة الرمزية التي راجت منذ منتصف القرن التاسع عشر اول من رسخ هذه العادات في فن القول الشعري, ومنها انتقلت الى مختلف المدارس في شعر القرن العشرين وأولها القصيدة العربية ابتداء من قصيدة التفعيلة وما بعدها. لذا فإن القراءة الآتية تسعى لتسجيل بعض الملاحظات في سيرة رائد هذا الاتجاه الرمزي الغموضي في الادب الغربي, ونعني الشاعر الفرنسي ستيفان ملارميه, وهي ملاحظات تقوم على افتراض ان الغرائبية خرجت من شرنقة القصة القصيرة اولا كما كتبها القاص الامريكي ادجار آلن بو, ومنه انتقلت للمبدع الفرنسي الذي نشرها بدوره حتى اصبحت تيارا جارفا في عموم الثقافة الانسانية والادب العالمي كافة. ولد ستيفان مالارميه في باريس 18 مارس 1842م, وعاش طفولة مضطربة بعد وفاة أمه اليزابيث فيليسي وعمره خمس سنوات, الا ان والده اصاب حظوة بفعل ارتباطه بعائلة ديبوا الشهيرة, التي علا شأنها بعد مجيء لويس بونابرت وقيام الجمهورية الثانية 1848م, وفي كنف والده نوما فلوران مالارميه تلقى الطفل تعليما منتظما ومكثفا في البيت كما في المدرسة, ولاحت تباشير عبقريته بسرعة حيث كتب 1854م محاولة انشائية مازالت معروفة الى الان هي (سبيكة الذهب) , وكتب تقليدا جميلا لشيلر في (الملاك الحارس) , وفي 1858م كتب سردية ظريفة عنوانها (ما قالته اللقالق الثلاثة) , وفي هذه الفترة انكب على دراسة البلاغة, كما تفرغ سنة 1859م لدراسة المنطق بسنس وفيها كتب مقطوعات شعرية لم تنشر في حياته, وظهرت فيما بعد بعنوان (بين جدران اربعة) . وفي سنة 1860م, تعرف على ديسمولين وهو احد وجوه المجتمع, وقد احاطه بالعناية واسكنه قريبا منه في فرساي, وفي مجلسه تتلمذ على الشاعر الرومانسي ديشانب, وانكب على دراسة اشعار عصر النهضة, وجمع في ثلاثة دفاتر لقطات شعرية من (زهور الشر) لبودلير (1821م ـ 1867م) فوقع فريسة لشعره, حيث بهرته موسيقى النظم وعمق الشاعرية وتوازن الايقاع, وكان يمكن ان تسير شاعرية مالا رميه في تضاريس مأمونة, لولا انه تعرف في نفس الظروف تقريبا على اعمال ادجار آلن بو, وسعى لترجمة بعض منها, ولأن الترجمة هي اخطر طريقة يمكن للمرء ان يدخل منها الى عالم شاعر مبدع, اشرب عوالم ادجار آلن بو (1809م ـ 1849م) في غرائبيتها ورمزيتها وطلا سمها وغموضه سواء الشعرية منها مثل (الغراب) او القصصية العجيبة مثل (مغامرات أرتور جوردون بيم) و(قصص غريبة) وغيرها. وهنا شعر مالارميه 1861م بالميل الى عوالم المبدع الامريكي وراح ينأى بنفسه عن مبدعي المشهد الشعري الفرنسي, بل انه جاهر بعدائه لهم وسعى لتفكيك الكثير من طلاسم شعرهم المقدسة, فنشر اولى دراساته (نقد السيد ديزومب وفرقته) , وقد لفتت هذه الدراسة انتباه الدوريات الباريسية اليه, خاصة منها مجلة (الفنان) التي نشر فيها 1862م عمله (النحس) و (خد شاعر باريسي وشمس الشتاء) , كما خصها بدراسة جمالية تختلف في مضمونها عن جوهر اعمال صاحبها هي (الفن للجميع) , غير انه في هذه السنة ظل اسيرا لاعمال ادجار آلن بو وظل يروج لها, وبدافع من الرغبة في فهمها اكثر ارتأى ان عليه ان يدرس الادب الانجليزي فالتحق بجامعات لندن منذ 8 نوفمبر 1862م, واثناء اقامته هناك كتب (النوافذ) و (اقتحام صرح الاحلام) , ولما عاد وقد اشتد عود ثقافته الانجليزية, اكتشف صديقين جديدين هما لوفوبير وجازاليس, وهما من اشد المتحمسين لادجار بو. مصاعب عقلية ولأنه عانى مصاعب عقلية 1864م ارسل الى صديقه جازاليس محاولته (الآزور) لكي ينشرها, وكان من الملفت انه في نوبة مسه العقلي هذه كتب لأول مرة قصيدة النثر, فجاءت قصائد (الرأس والارجن الهمجي) , كما بدأ في نظم المخطوطات الاولى من عمله الخالد والابرز بين جميع اعماله (هيرودياد) وقد صرح في احدى مراسلاته بأنه لا يريد به (وصف الاشياء وانما معرفة الوقائع المؤدية اليها) وبهذه الرؤية الاستباقية جازف مالارميه بأن لا يصف هذه ولاتلك. وكتب سيمفونية جميلة ظهرت في (الفنان) عن حياة (جوتييه وبودلير وبنفيك) كما نشر عمله (اليوم) , 1865م, تسلم جازاليس منه مراسلة اخرى هي (ظاهرة المستقبل) , وكاد يكون زائرا يوميا لصالون بودلير الذي كانت تديره ليجون وفيه قرأ (اليوم) و(الزفرات) و (الموج المتكسر) , غير ان هذه الفترة شهدت حدثا هاما جدا هو انجذابه الى المدرسة الادبية البرناسية, وبتحمسه المعهود, كتب نهاية 1866م دراسته (جذور المدرسة البرناسية المعاصرة) , وهي مدرسة آثرت ان تتسمى باسم جبل برناس في اليونان القديمة, تيمنا بكونه ارض ابولون رمز الشعر والفنون في الاساطير الاغريقية, وعند سفح برناس توجد مدينة دلفي الشهيرة وكأنها تحرسه بكل مالها من اهمية في الثقافة القديمة والاساطير. وفي 1867م عاودته نوبة المتاعب العقلية, وقد كتب في 11 مايو الى صديقه جازاليس معبرا عن خيبة امله واحباطه الشديد (السنة الماضية كانت سنة مريعة بالنسبة لي, لم اعد صاحبك الذي تعرف, فقد بلغ اليأس مني كل مبلغ) كما كتب لكوبيه وهو صديق اخر له بتاريخ 20 ابريل 1868م (لقد وصلت بي الحظوظ العواثر حدا يجعلني اقترب من شفا اليأس, اكاد افقد صوابي, واضحت تفلت من بين يدي اكثر معاني الكلام الفة) . ولكي تزيد الامور سوءا اتجه الى ديكارت وخصص له سنة 1869م, فتحول المس الى شك, ولكي يزداد الشك غموضا اتجه الى مشاركة صديقيه الاثيرين بعض مطالعاتهما في علم المصريات عام 1870م, وهنا اضطر مع غيره من مواطنيه الى ان يلتفت الى زلازل الحروب مع بروسيا, لكنه مع ذلك انجز اطروحة اصلية عن (ذكرى بو وبودلير) , 1871م, كما تعرف على ارتور ريمبو (1854م ـ 1891م) الشاعر الرمزي الشهير وصديق فيرلين وعدوه فيما بعد, صاحب (فصل في الجحيم) , والمبشر المتحمس بالشعر الحر, في (ايحاءات) وكان لهذا اللقاء ما بعده من حياة مالارميه المستعد اصلا للغموض والرمزية بل المشرب بهما على يد ادجار بو, الذي كان عاكفا على ترجمة بقية اعماله في نفس الفترة, ومدمنا على نشرها في (المجلة الادبية الفنية) بباريس 1872م. كابتن فراكاس ومع مطلع 1873م احتفل بمناسبة الذكرى الاولى لصديقه الشاعر البرناسي الكبير تيوفيل جوتييه (1811م ـ 1872م) صاحب (حلي وقلائد) ورواية (كابتن فراكاس) , وقد احيا ذكراه ونوه بمبادئه في تقديس الجمال الشعري والتأنق في الصياغة الفنية, وعنه نشر في هذه السنة (مرقد تيوفيل جوتييه) و(نخبة الجنائزي) كما نشر ديوانه (ايجيتور) ايضا. ونشر في 1874م, في مجلة (العالم الجديد) دراسة اخرى تعزف على وتر التفرد والغرابة عنونها (شيطان المماثلة) , كما تعرف على جماعة الفن الانطباعي وفي صفوفها كان لقاؤه الأول مع اميل زولا (1840ـ1902م) الروائي الواقعي صاحب المسلسلة (آل روجون ماكار) ولم ينجذب اي منهما الى الاخر, كما ارسل اخر عام 1874 دراسة (معزوفة الى فون) لكي تنشر في مجلة (البرناسية المعاصرة) الناطقة باسم هذه المدرسة, لكن رئيس التحرير رفض نشرها, وسيكون للأمر نصيب من الطرافة اذا عرفنا ان المحرر هو الشاعر البرناسي الكبير اناتول فرانس, لكنه نشر ترجمة في منتهى الروعة (للغراب) لأدجار بو وأكمل محاولتين اخريين هما (كلمات انجليزية) و (فيلولوجيا صغيرة) . وفي 1876م نشر ديوانه (امسية إله الريف) وفيه ادرك قمة نضجه, كما اظهر حسه الفني بقوة واقتدار في دراسة تعكس عمق الثقافة الفنية بعنوان (المدرسة الانطباعية وادوارد مانية) , ومقطوعة من المراثي لمثله الاعلى (مرقد ادجاربو) 

وبعد موت ابنه اناتول مالارميه 1879م, كانت فرصة اخرى للمراثي, فجاءت (مرثية اناتول) 1880م, ثم (الآلهة القديمة) ,ولكن قطار الموت استمر يحصد اعزاءه, فمات فاجنر 1883م بمدينة البندقية, وفي نفس الظروف مات ادوارد مانيه,ولأنه من حواريي فنهما, استعد اصدقاؤه لسماع مراث اخرى, بعد ما مات فيكتور هوجو 1885م, الذي خصه بدراسة, كما نشر (فاجنر كما تهيؤه مخيلة شاعر فرنسي) , وقصيدة نثر مشهورة هي (النيلوفر الابيض) , وقبل ان يكتب سيرته الذاتية لكي ينشرها صديقه فيرلين ضمن سلسلة (رجال من ايامنا) اشترط ضرورة نشرها مع دراسته (الدراما التي اريد) 1885م. وفي 1886م نشر مجموعة مقطوعات (صفحات منسية) ومرثية (حظوة فاجنر) , وجاءت (اذكرني في قصتك) , واصبح ما لارميه صاحب (صالون الثلاثاء الادبي) , فتقاطر الادباء على مجلسه واصبح محجا يقصده جميع مبدعي باريس, واثمر تحلقهم حول صاحبنا رواج الاتجاه الرمزي الغموضي, فظهر في ملحق لوفيجارو الادبي (البيان الرمزي) لمورياس 18 سبتمبر 1886م, ولمعاضدة هذا الاتجاه نشرت (اشعار مالارميه الكاملة) ودراسته (ملاحظات حول المسرح) وديوانه (رمية نرد) او (ضربة حظ) . مع بدء 1887م نشرت (المجلة المستقلة) بغرض ترويج التيار الرمزي مجموعاته الثلاث (اناشيد الغرفة المهجورة) و (دواوين المغلقة على اسم بافوس) وعملا صغيرا اخر هو (مقطوعات من الشعر والنثر) . ترويج الرمزية مع مطلع التسعينيات ادمن نشر دراسات عن اتجاهه الرمزي في (الناشيونال اوبزفر) لكي يعبر الغموض بحر المانش الى الجزر البريطانية, وتحدث عن عودة المتاعب العصبية والارق الشديد, كما نشر (خلاص المستقبل) 1892م, و (الرغبة المقدسة) , ثم سافر لانجلترا يروج لاتجاهه الرمزي الغموضي من خلال سلسلة محاضرات في اوكسفورد وكمبردج, وخص لوفيجارو بعرض واسع لكل ذلك بعنوان (العمق الادبي) دعا فيه لتأسيس الادب على الروائع الكلاسيكية. وفي 1895م عاد للمراثي مرة اخرى مستحضرا بودلير وخصه بعمل كامل هو (مرقد بودلير) , كما شارك كطرف رئيسي في معركة ادبية في لوفيجارو حول (الشعر الحر والشعراء) , ولما توفي صديق عمره وباني صرح المدرسة الرمزية معه بول فيرلين (1844م ـ 1896م) والذي عانى هو ايضا من مصاعب عقلية وادمن المسكرات بشكل مفرط وعاش حياة بوهيمية يعبر عنها ديوانه الشهير (القصائد اللعينة) , على اثر ذلك انتخب مالارميه (اميرا للشعراء) . عاود نشر الشعر فجاءت (لواعج سيدة) وخص ارتور ريمبو بمرثية وبدراسة احتفالية, كما شارك في معركة ادبية عن (الجميل والضروري) , وهنا ظهر اول خصومه الجادين مارسيل بروست (1871م ـ 1922م) الذي نشر دراسة متأنية بعنوان (ضد الغموض) بتاريخ 15 يوليو 1896م, وقد خف مالارميه ومريدوه لمهاجمة بروست وسخروا مجلة (R.B) الباريسية للدفاع عن الرمزية والغموض وللتنديد باجترارية وسطحية وسوقية مارسيل بروست, وكان ابرز ردودهم عليه دراسة مالارميه المعفونة (الغموض في الادب) , وفيها تأسيس نظري على درجة عالية من العمق والاقتدار الادبي, لهذا المذهب في الادب والفن, وكانت هذه الدراسة دليلا على ثقافته العجيبة. ثم عاودته نوبة المراثي التي ابدع فيها, فكتب 1897م (مرثية فرلين) واتبعها بمجموعة (الهزيان) وظهرت في نفس السنة الطبعة النهائية لعمله الاثير (هيرودياد) , كما اسهم في مناظرة ادبية طاحنة عن (الفن عند تولستوي) الذي اصبح وقتها اسطورة اوروبية. وفي 9 سبتمبر توفي مختنقا وكان من اشهر متقبلي العزاء فيه رينوار, وخاصة تلميذه الذي سيواصل رسالته الادبية بول فاليري. اطلع مالارميه على عوالم ادجار آلن بو الغرائبية ولما اشتد عوده الادبي, واسرته بثروتها المعجمية وتعقيد ايقاعها فقرر ان يتخذها منطلقا لمشروعه الشعري, وراح بدافع الحماس يضفي على ادجار بو هالة من الصفات التقديسية فكتب عنه في هذه الفترة يصفه بأنه (مبدع لن يفهمه عصره, ولا العصور اللاحقة, ففي اعماله الق وروعة العمق الادبي, وسحر الصور الشعرية البديعة الشفافة وكأنها ثريات من الكريستال) . والحقيقة ان هذا الحكم الاحتفالي ربما كان الفرنسيون يشاركون مالارميه فيه لحد ما, منذ بودلير, وحتى فيرلين, الا انه مع ذلك يفضح مدى التقمص الوجداني الشديد الذي كان مالارميه يقع فريسة له ازاء اعمال بو. غموض ادجار بو ولعل من اهم اسباب الاغراب والغموض اللذين يميزان اعمال ادجار بو, انه لم يوفق كمبدع في فض الاشتباك بين زمن الشعر وزمن القص, فأنتج قصصا فيها غرابة وكثافة زمن الشعر وايقاعه, وشيئا فشيئا اشتبك لديه الزمان والمكان تشابكا يصعب انفصامه, وتداخلت الاصوات والتبست, وان كان هذا الالتباس يبدو احيانا كثيرة مصمما ببراعة بالغة المكر والمكيدة. لقد اسرف ادجار بو في اللعب بزمنه السردي الذي هو لحظة مكثفة تسهم فيها جميع اطراف المثلث السردي المعروفة ونعني المؤلف والسارد والقارئ على انه القى بالجهد الرئيسي لرسم الصورة على كاهل القارئ احيانا كثيرة, وهذا ما يهمنا فيما يخص الغموض, فمثلا في (مغامرات ارتورجوردون بيم) ترك المجال للقارئ لكي يتخيل بالكامل بقية مسار القصة. وهكذا يختفي صوت السارد, وتسير الامور في مسار اخر, ويترك للقارئ المتلهف ان يكمل قصة هذا الوحش من ذهنه وهي مهمة مشوقة ولكنها صعبة, فمن يكون هذا الكائن؟ ومن هنا فإن الغموض والتعقيد يأتيان من كون نصوص ادجار بو تتخبط في مهمة مزدوجة, فهي ترسم صور شخوصها من جهة, وهي من جهة ثانية تشاكس قارئها بما تستفزه به من خدع ومكائد نصية لتجعله يشارك في انتاج الصور الذهنية التي تستثيرها, تكثف الزمن امامه وتدعوه الى تفكيكه, تحرمه من الركون الى الوضوح,وتشيع امامه مشهدا مغلقا ثم تتوسل اليه ان يختار الطريقة التي ينفذ من خلالها اليه, وهكذا يصبح للقارئ دورا متعاظما في انتاج معنى القصة, والادهى انه على هذا الدور تتوقف القدرة على فهم النص واثارة الاسئلة الجمالية ازائه, وكأن القراءة نفسها اضحت نوعا من الموازيات النصية التي تشارك المبدع الاصلي لعبة الدوران حول الوردة هذه بمعنى من المعاني. وليس هذا فقط, بل ان غموض ادجار بو شمل سيميولوجيا عنونة قصصه, فقد نشرت (مجلة الرسول الادبي الجنوبي) سنة 1837م عمله (مغامرات ارتورجور دون بيم) , ومع ان الاسم المكتوب فوق القصة في حلقتيها واضح وهو (ادجار الن بو) , فإن البطل يبدأ القصة بقوله اسمي ارتورجوردون بيم) وهو ما يعني ان السرد يتم بلسان ضمير المتكلم, الا ان الامور تتعقد بسرعة بعدما يختفي صوت هذا السارد, ليظهر سارد اخر غير معروف, ومع ذلك لنقل ان الامور مازالت (معقولة) الا ان (غير المعقول) حقا, هو ان ادجار بو عاد ليمارس القسوة والسادية على القارئ, ونشر القصة سنة 1838م, دون ان يظهر على غلاف الكتاب اسم اي مؤلف كان, وقدم للقصة بتمهيد وقع في نهايته باسم (أ. ج. بيم) اي بطل القصة. مالارميه ضد بروست ان سر غموض شعر مالارميه, هو استعاره من اعمال ادجار آلن بو, وهذا بدوره جاءه من استخدام لغة الشعر, التي هي انتهاك للغة العادية, ومن استعارة زمنه ومجازاته, خاصة في القصص القصيرة, وهذا ما يفسر دعوته الى ان تكون اية قصة قابلة لأن تقرأ في جلسة واحدة, لأنها لوتوزعت على اكثر من جلسة فإن العوامل الخارجية التي لا يمكننا الا ان نتصور وقوعها بين الجلسات, ستتدخل في تقمص القارئ وفهمه لها, ومن ثم يتفكك سحرها وغموضها الذي لا يمكن شرحه, لأنه لو شرح يتلاشى معناه والقه ويتبددان مطلقا. ومثل بو كان مالارميه مؤمنا بأن لغة الشعر هي وحدها القابلة لأن تبهر القارئ, لذا جاءت نصوصه النثرية كما الشعرية لتثير فضاء مجازيا استعاريا كثفه هو اكثر فأكثر بنزعته الرمزية واستحضاره المسرف للأسطورة لحد جعل فهم نصوصه يرقى الى حد ضرب من ضروب تفكيك الاساطير او الاجتراء على طلاسم السحرة القدامى والاقتراب من تعويذاتهم. وهنا يبدو العداء بينه وبين مارسيل بروست منطقيا جدا, فهو يكثف ويختزل الزمن الطويل ويختصره في لحظة معقدة مثقلة بالمعاني والرموز, وذاك هو زمن الشعر والقصة القصيرة المثالي, اما بروست فإنه على العكس ينفش اللحظة الزمنية القصيرة ويجعلها دهرا مستطيلا, لكونه كاتب رواية من الطراز الاول, وكمثال فحين ارسل (البحث عن الزمن الضائع) الى الناشر أولندروف, شكل هذا لجنة من الادباء لتقييم صلاحية الرواية للنشر فرفضت اللجنة الموافقة عليها وكتب رئيسها المدعو هامبلت رأيه في سرد بروست المفرط في التفاصيل وتمديد الزمن قائلا (قد اكون بطيء الفهم, ولكنني لم اوفق في فهم كون هذا الانسان قد استهلك ثلاثين صفحة ليصف كيف يتقلب شخص في فراشه قبل ان يتمكن من النوم) . ذلك لأن الفرق بين بروست ومالارميه, هو الفرق بين النص الروائي بسعة فضاءاته وطول نفسه واستحضاره لدقائق العالم, والقول الشعري بكثافته اللغوية والزمنية, واستحضاره للأسطورة واليوتوبيا وتعاليه على كل تفاصيل الواقع اليومي, وهي ميزات تشترك فيها القصة القصيرة مع الشعر ايضا. صحيح ان مالارميه روائي ايضا, لكنه اختار من السرد القصصي والروائي ما يطفح بالغرابة والتعقيد فوجد مبتغاه عند ادجاربو, الذي تجسد قصصه مقولة مالارميه الشهيرة (ان الجنس المسمى ادبا لهو الشعر بكل بساطة) وهي مقولة سعى مالارميه لتجسيدها في شعره, بل انه نذر حياته من اجل البرهنة على صحتها, فأوفى بالنذر واختلطت حياته وشعره.


 بقلم: الحسن المختار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

مصطفى شريف يكتب عن روايات جرجى!