لعنة كافكا: محاولات كونديرا وآخرين لتخليص الروائي كافكا من تشويهات ماكس برود | حمزة الحسن

لعنة كافكا: محاولات كونديرا وآخرين لتخليص الروائي كافكا من تشويهات ماكس برود
 
“يبدو لي في النهاية أنني سأسقط، ميتاً، تحت وطأة الفرح”

كافكا، من أقواله الأخيرة.

الصورة الشائعة عن الروائي فرانز كافكا هي صورة رجل متشائم وعصابي ومريض، وهذه الصورة النمطية المركبّة هي أكبر عملية احتيال في التاريخ الروائي في القرن العشرين، ولم تُكتشف إلا بعد جهود خارقة ونبيلة وخبيرة من قبل نقاد وروائيين أعادوا قراءة كافكا الروائي والإنسان ووجدوا ان الصورة المصنّعة لكافكا هي واحدة من الجرائم الأدبية التي لا تغتفر وأكبر أكذوبة في التاريخ الثقافي تم تسويقها من قبل نصّاب محترف وساذج اكتسبت مع الزمن صلابة ومتانة وقوة بسبب التكرار والعادة وآلية التقبل غير المدروس.

من هو صانع صورة كافكا المشوهة؟ إنه ماكس برود كاتب فاشل وشاعر رديء، بل أردأ من كتب بلغته الوطنية باعتراف مواطنه الروائي الشهير ميلان كونديرا كما سيأتي في سياق هذا المقال، لكن من الغريب أن يُقدّر لهذه الرداءة أن تصبح رؤية نقدية ووجهة نظر صلبة تبدِّل مزاج القرّاء والكتاب والدارسين على مدى عقود، مما يلقي ضوءاً، خارج نطاق السياق الأدبي أيضا، على قدرة هذا النوع من الاحتيال على التلاعب بعقول الناس، والمشكلة بعقول نخب أدبية في جميع أنحاء العالم، وهو ما يشكل باعتراف الكثيرين من الذين اطلعوا على الحقائق في السنوات الأخيرة فضيحة تمس مناعة النخبة الأدبية من الاختراق وقدرتها على الفحص والتقبل والاستقلالية من جهة، ومن جهة ثانية، تشكل إحراجا لكثير من المؤلفات التي تعرضت لكافكا عبر مصادر ماكس برود.
ولعل غضب الروائي التشيكي الأصل ميلان كونديرا وشعوره بفداحة الظلم الذي تعرض له كافكا ـ ليس كمواطن لكافكا بل لروائي كبير شوّه وماكس برود تشيكي أيضا ـ دفعه إلى التعرض إلى هذه القضية التي يبدو أنها شكلت عنده وخزاً وجرحاً وألماً شخصيا، مما دفعه إلى مناقشتها في ثلاثة كتب في التنظير الروائي وهي كل ما كتبه، بلا طموح نظري نقدي، في النقد الروائي.
هذه الكتب هي: فن الرواية، الستارة، خيانة الوصايا، وفي مقابلات كانت تتم من قلب عزلته، خاصة وأن كونديرا نفسه يعرف هذا النوع من مشاعر الغبن والتجاوز والظلم وكان ولا يزال ضحيتها لدرجة انه فرض عدم ترجمة رواياته إلى اللغة التشيكية الأم (من الفرنسية) بناء على موقف: وهو نفسه تعرض للتشويه في مرحلتين: مرحلة الحكم الشمولي في تشيكوسلوفاكيا سابقا من قبل الايديولوجيا، واليوم بعد التغيير (حين حلّت البلاهة التجارية وأعمال النصب والاحتيال محل الايديولوجيا).

قدم كونديرا للعالم صورة ناصعة للروائي كافكا بعد إزالة الغبار والوحل والتشويه والتلفيق الذي قام به ماكس برود بتخطيط وتعمد وأغراض دنيئة بعضها: أولا، شخصية تتعلق بكونه شخصية فاشلة ومهملة ومريضة ومصابة بهوس ديني ظهر انه مزيف يخفي هوساً أخطر هو هوس الكذب المرضي غير المسيطر عليه وعقدة شعور بالدونية مخفية بمشقة، واستغل فرصة علاقته بكافكا التي خلقتها ظروف إنسانية تحدث في كل زمان ومكان، واستغل أكثر موت كافكا المبكر، بل موته، مجهولا، من النخبة الأدبية التشيكية تماما وعزلته عنها، ولأن كافكا ترك وصية إلى ماكس برود كوصي للتصرف بأعماله، ومن هنا شرع ماكس برود بتصنيع صورة مغايرة لكافكا تتناقض كليا مع الصورة الحقيقية: صورة الإنسان المرح واللطيف والفكه والعفوي بل الطفل، وبعض تلك الأغراض، ثانيا، سياسي نظرا لميول عنصرية صهيونية تكشفت في النهاية لدى ماكس برود.
وهذا ليس غريبا على ماكس برود الذي وجد في كافكا أو في موت كافكا ضالته المنشودة والمنقذة من النسيان والإهمال والفشل وخططاً لصنع أسطورة لكافكا تتقاطع مع عالم كافكا الشخصي والروائي ولكنها تخدم عالم ماكس برود الشخصي وطموحه الأدبي وقد حقق الاثنين في ظروف معقدة كان يمر بها العالم بداية القرن العشرين، وانطلق من لحظة وفاة كافكا سنة 1924 في بناء أسطورتين ملفقتين: أسطورة القديس كافكا أولا، وأسطورة النبي ماكس برود، ثانيا، لأن وجود الأول ضروري حسب الميراث الشخصي والأخلاقي والديني لوجود الثاني، وهكذا سوّق صورة مشوهة عن كافكا معادية لعالمه الشخصي والجمالي، ويهمنا العالم الثاني الجمالي بعد وفاة كافكا لأن حياته الخاصة ملكية شخصية رغم ان ماكس برود كان قد صادر هذه الحياة الشخصية بمهارة ودهاء وصفاقة وعدم مسؤولية أخلاقية حين قام بنشر حتى رسائل كافكا الشخصية التي لم يرسلها إلى أصحابها كما يحدث عادة في عالم البشر، وتحولات المشاعر الإنسانية بما يشكل بتعبير ميلان كونديرا(اغتصابا) لحياة كافكا بعد الاغتصاب الأول وهو التلفيق الشنيع والصورة الملفقة والمكرسة للروائي الكبير.

في كتابه (خيانة الوصايا) أكثر من كتبه الأخرى يصب ميلان كونديرا (جام غضبه) على ماكس برود ويعريه من كل أوراقه بالأدلة والوثائق ويعيد الاعتبار لصورة كافكا التي كان ماكس برود قد لفقها له وهي صورة لا تقل ظلما عن محنة بطل رواية( المحاكمة) جوزيف ك.
أول شيء فعله ماكس برود بعد وفاة كافكا مباشرة هو كتابة رواية بعنوان (مملكة الحب الساحرة) وكان كافكا في الرواية يحمل اسم غارتا، ويقول كونديرا (سيكون مصير هذه الرواية النسيان الكامل، لو لم يكن فيها البطل غارتا، وهو صورة عن كافكا) وفي هذه الرواية يصف ماكس برود كافكا بناء على ميوله وأغراضه ودوافعه وهي لا علاقة لها بالأدب والرواية بل لأغراض أخرى كما سيأتي في السياق، ويصفه بالقديس، ويقول كونديرا: (إنها لمفارقة عجيبة، أن تحدد هذه الرواية الملفقة، والتافهة، صورة كافكا الشائعة).

لكن لماذا لجأ ماكس برود إلى وصف كافكا بالقلق والعصابي والقديس الغامض والمريض والحاقد على الآخرين بناء على ذنوب مزعومة؟ إن هذه القداسة البشعة تتعلق بعالم ماكس برود نفسه ولا صلة لها بكافكا أبدا، وتتعلق بكل التلفيقات التي قام بها ابتداءً من تزوير وصية كافكا وتزوير حياته الشخصية وخلق صورة نمطية مستمرة حتى اليوم في عقول كثير من القراء في العالم وحتى تزوير جماليات الفن الروائي لهذا الروائي الكبير.
إن ماكس برود شخصية سطحية ومحتالة استغل الهوية الدينية المشتركة مع كافكا ومعرفته به وعزلة كافكا، وجرّب وادعى لنفسه الكثير من الحرف الأدبية مثل ملحن وكاتب وشاعر ولم يظهر براعة أو قدرة في أي منها، وجاء موت كافكا الفاجع هدية غير متوقعة تحت عدة ظروف:
ـ أولا: كان مقربا من كافكا بحكم صداقة تعود إلى سنة 1902 حيث كانا يترددان على أمكنة خاصة للهو والعبث وتسليات الشباب وهي مرحلة قام ماكس برود بتزويرها ونفيها كليا لأنها لا تنسجم مع صورة مصنّعة لكافكا العصابي والمريض والتوراتي والمعقد والمتشائم والكابوسي والخ من نعوت شائعة: شروحات ماكس برود السطحية عن سوداوية وعصابية كافكا تعكس مستواه الأدبي الضحل أكثر مما تعكس صورة كافكا، لأن هذه السوداوية المزعومة هي في واقع الحال فن (الدعابة) بتعبير كونديرا،الدعابة أو (شعرية المفاجأة) أو السحر الناتج عن تنافر الأشياء بلغة لوتريامون الذي يجمع بين مظلة وماكنة خياطة أو(كثافة المخيلة واللقاءات غير المتوقعة) : حين دخل “جوزيف ك” في رواية المحاكمة إلى القاعة مرة وجد أمام طاولة القضاة كتابا عن جنس مبتذل. هذه هي الدعابة الصادمة التي لم يستطع ماكس برود أن يخترق جوهرها وعامَ في السطح. كيف يمكن لشخص أن يكون يائسا ومريضا وعصابيا وكئيبا، وفي أيامه الأخيرة وقد تكشف له مصيره المؤلم، قال: (يبدو لي أنني لن أسقط، ميتاً، تحت وطأة الكفاح، بل سأسقط، ميتا،ً تحت وطأة الفرح) في نوع من الاحتفال الطفولي والجمال البري المدهش تحت مشاعر الخلق وبناء عوالم سردية متخيلة وهي متعة متسامية وخالية من أي غرض سوى ذاتها.
ـ ثانيا: إن كافكا نفسه كان غير معروف تماما من النخبة الأدبية التشيكية وبالتالي إن كل ما سيكتبه ماكس برود لن تتم معرفته بسهولة، فأخذ راحته في الكتابة والتفسير والشرح وصار المصدر الوحيد لعالم كافكا الشخصي والروائي، وعالم كافكا الروائي تعرض إلى تشويه كلي حين تم تصويره من قبل ماكس برود على انه نزوع ديني لروائي مريض ومعقد يحلم بأن يكون قديسا أو نبيا، ولم يكن هذا النصّاب مؤمنا بكل أنواع القداسة كما سيَكتشف العالم في النهاية، ولكنه استغلها كفرصة وحيدة لخلق صورة تخدم أغراضه هو لكافكا تم تسويقها للعالم، ولا غرابة في أن يخصص ميلان كونديرا فصلا في كتابه (خيانة الوصايا) يحمل هذا العنوان المؤلم:” تشويه كافكا”.
تكون الصورة أوضح إذا عرفنا ان ماكس برود( مدفون حاليا في يافا ـ توفي في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1968) هو صهيوني متعصب وعنصري، بل حاول، في قلب مذابح دير ياسين، خداع الروائي الألماني المعروف هيرمان هيسه بالتضامن مع جرائم العصابات الإسرائيلية تلك الأيام في رسالة استغاثة، ولكن هيرمان هيسه عن وعي بتاريخ القضية أو وعي بشخصية ماكس برود المحتالة أو نزوع في معرفة الحقائق بعد الفحص والتأكد رفض التضامن مع ماكس برود، كما جاء في كتاب هيرمان هيسه:(عندما تبدأ الحرب) وهو مجموعة مقالات عن الحرب والأدب والحرية والمذكرات، في موقف يجسد شخصية هيرمان هيسه المستقلة وكبرياء روائي ومثقف غير قابل للخداع من نصّاب مبتذل، كما تكشّفت سيرته في الربع الأخير من القرن الماضي، بل قبل أسابيع ظهرت واحدة من فضائحه كما سنأتي على ذلك.

حين يتحدث ماكس برود عن (القداسة) علينا ألا نأخذ كلماته (كمفردات خطابية) بل كمفردات تخدم هدفا دنيئاً عن قداسة بشعة سياسية ودينية، ويتوضح ذلك أكثر في تزوير وصية كافكا القائلة بحرق جميع مؤلفاته. لماذا زوّر ماكس برود تلك الوصية؟ هل كان كافكا عاجزا عن حرق مؤلفاته بنفسه؟ كل الوثائق والرسائل والشهادات التي ظهرت، أخيرا، تقول ان كافكا وفي وصية خطية طلب حرق بعض الأعمال التي لم يكن واثقا منها واستثنى جميع الروايات الكبرى ومنها (المحاكمة والمسخ والقصر وأمريكا ومستعمرة العقوبات وغيرها) ولكن ماكس برود زعم انه قال لكافكا وجها لوجه (بدون ذكر أي شاهد وهي فرصة ثمينة) إنه لن ينفذ هذه الوصية. ترى: لو كان هذا صحيحاً فلماذا لم يقم كافكا بنفسه، بعد هذه المواجهة والرفض المزعوم، بحرقها؟ أو على الأقل إذا كان عاجزا بسبب المرض، لماذا لم يكتب وصية لشخص آخر يقوم بالمهمة؟ ـ ” خيانة الوصايا”.

الوثائق الأخيرة تثبت بالدليل القاطع زيف وكذب ماكس برود بل إن مخطوطة كافكا (المحاكمة) ظلت في حوزة ماكس برود وقام بتقديمها كهدية لزوجته الثانية (دليل على حقارته) التي باعتها بدورها ويجري نقاش واسع الآن حول كل هذه الأمور التي كُشفت في الفترة الأخيرة على أثر عمل احتيالي واسع في موضوع جمالي وإنساني وأدبي وأخلاقي بهذا الحجم وبهذه الخطورة.

لتوطيد سمعته الأدبية قام ماكس برود المغمور والفاشل بعد موت كافكا بافتتاح (معركة حقيقية بالمدفعية الثقيلة) بتعبير كونديرا ونشر أعمال كافكا التي زعم انه طالبه بحرقها وهي أعمال كان كافكا حتى على فراش الموت يقوم بمراجعة دقيقة لها مما يكذب مزاعم ماكس برود في حرقها، بل في الوصية الحقيقية، وهو على فراش الموت، قام كافكا بتقييم أعماله وطلب من ماكس برود حرق بعضها لأنه لم تتح له فرصة إجراء صياغة نهائية لها، وليس أعماله كلها، وكذلك إتلاف رسائل شخصية غير مرسلة تتعلق بعالمه الخصوصي.
إن هدف ماكس برود هو تسويق صورة كافكا (كمفكر ديني) وهو أمر كان سيسخر منه كافكا بل ان رواياته تقوم على الطرف الآخر من هذا التفكير، وكان ماكس يهتم بأقواله ويومياته أكثر من اهتمامه برواياته، بل ان تفسيره الوحيد لرواية “المحاكمة” كان قمة في السخف والوضاعة حيث يقول حرفيا: (إن كافكا يشرح العقاب الرهيب لأولئك الذين لا يستمعون لصوت كلمة الحق، والذين لا يتبعون الطريق القويم) بلغة حاخام في محراب. طبعا ” كلمة الحق” عند ماكس برود أثبتت الأيام نوعيتها، و” الطريق القويم” يعني الاحتيال، وهي مفردات قادمة من القاموس التوراتي، وهو الطريق الذي مشى فيه ماكس برود نفسه إلى الأرض المقدسة للمشاركة في مذابح مناحيم بيغن الوريث المسلّح لأشعيا الذي قال له الرب التوراتي اقتل الجميع، الصغار والكبار، في أريحا ولكن (فقط) احتفظ بالذهب والفضة لخزائن صهيون.

كيف يمكن لإنسان مثل كافكا بهذا الوضوح والشفافية والبراءة والعفوية والعبقرية أن يقترب من ماكس برود وهو شاعر فاشل؟ سؤال طرحه كونديرا وأجاب عليه بنفسه بسؤال:(هل ستكف عن الانشداد إلى صديق لكونه يكتب شعرا سيئاً؟) ويضيف:( لكن الشخص الذي يكتب شعرا سيئاً، سيتحول إلى إنسان خطر) بعد أن صار المصدر الوحيد عن حياة كافكا مستغلاً تعاليه وعزلته وطيبته ومرضه الصدري القاتل، وبهذا السلوك المتسم بأقصى دناءة كوّن ماكس برود ما يسميه كونديرا بـ (الكافكالوجيا) أي العلم المتخصص بكافكا، أي حوّل كافكا إلى ايديولوجيا وسوّغها في جميع أنحاء العالم بعد أن وجد أداة إعلامية ومالية ضخمة قادرة على تسويق هذه الأسطورة الملفقة لأهداف لا علاقة لكافكا بها ويحتقرها كليا، ورواياته جميعا كانت شجبا وكشفا وفضحا لهذا العالم الكابوسي البيروقراطي المعادي للإنسان، ونصوص الروائي وحدها تعني العالم وهي المرجع الأول والأخير في قراءة النص الروائي.

بهذه الطريقة قدم ماكس برود كافكا كمنقذ ديني وقديس ومصلح وعصابي، وكان كافكا سيصاب بصدمة لو سمع بها حيّاً، بل رواية (المحاكمة) تسخر بدعابة مدهشة شعرية بعالم هؤلاء، وبذلك يكون ماكس برود قد طمر الروائي الخلاّق الذي غير الرواية واحدث منعطفا في السرد الروائي، وخلق صورة مزيفة مستمرة في مخيال كثيرين حتى اليوم، روائي قال غابرييل ماركيز عنه لكونديرا خلال لقاء بينهما: (ان كافكا هو الذي كشف لي إمكانية الكتابة بطريقة أخرى).

المشكلة الأكبر، وبناءً على هذا التشويه، وقوع كافكا الميت بين توظيفين: هو قديس بشع صارم مريض عصابي حاقد من وجهة نظر ماكس برود (صورة ماكس برود عن نفسه) أي تلك القداسة المقززة المغرضة التي تخدم هدفا لا قداسة فيه على الإطلاق، وهو من جهة أخرى الماركسي الثوري المسلح كما قرأ غارودي كافكا في محاولة لتقديم صورة بديلة عن صورة ماكس برود: لو دمجنا الصورتين لحصلنا على صورة كاريكاتيرية كانت ستضحك كافكا إن لم تصبه بالغثيان: صورة “قديس مسلح” نصفه في الأدغال أو حرب الشوارع، ونصفه الآخر في محراب، وكافكا الروائي والإنسان أبعد ما يكون عن هذا وذاك. هو روائي فحسب: وعكس طريقة تحويل الكائن إلى قديس بشع ومزيف، هناك على الضد ولكن للغرض نفسه، طريقة التزوير الأخرى في شيطنة الآخر، وكلاهما من مصدر واحد ولغرض واحد هو تزوير الضمير وبيع بضاعة فاسدة للناس في سلوك احتيالي يتسم بشناعة مستهجنة في كل العصور.

قام بعض النقاد العرب بوضع مسحة من السخرية والفجاجة والسطحية تحت تأثير مصادر ماكس برود ورش (مساحيق) أكثر تفاهة واستعجالا وإيلاما ووجعا وظلما على الروائي العبقري وكتبوا مقالات ودراسات ومؤلفات عن (كافكا الصهيوني) وبذلك ضاع كافكا بين الحافر والنعل.
السبب؟ هو: دناءة وحقارة ماكس برود الفاشل الذي وجد في جنازة كافكا عرساً غير متوقع للظهور على حساب كل القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية والأدبية والشخصية. يقول كونديرا:(إن كافكا استمر في الكتابة حتى الأيام الأخيرة…لم يكن يرغب في إتلاف عمله، إذ عبر عن ذلك بشكل واضح ودقيق في رسالته الثانية:” من كل أعمالي ليس هناك صالح للبقاء سوى: المحاكمة، الوقاد، المسخ، مستعمرة العقوبات، طبيب الأرياف، فنان الجوع وغيرها ـ يمكن الاحتفاظ بنسخة من كتاب “التأملات”). ويضيف كونديرا:(ان كافكا لم يرفض أعماله فقط، بل قام بتقييمها ثم محاولة فصل ما يستحق منها، وما هو غير مستوف لمعاييره الخاصة) وهو على فراش الموت وهذا يدل على مدى اعتزازه بها في لحظة عصيبة لإنسان وفي وضع موت مبكر ـ وكان ماكس برود يراقب هذا الاحتضار ويعد للبشرية هدية قذرة وكذبة ضخمة مستمرة حتى اليوم في خيال بعض القراء العاديين، بل والنخب.

لم يكتف ماكس برود بذلك بل قام بحذف فقرات من يوميات كافكا تشير إلى شخصيته الحقيقية المرحة والطبيعية والبشرية والسوية كشخص حساس وعاطفي ولطيف المعشر لكي يدخله في نسيج صورة مشوهة تخدمه. قام، مثلا، بحذف هذه الجملة من يومية كتبها كافكا بتاريخ 1910 تقول:( شعرت عند تجاوزي المبغى كأنني أمر ببيت المعشوق). فكيف يمكن للبشري في كافكا، الروائي والإنسان وصاحب الرغبات والأخطاء الإنسانية العادية والمشاعر البشرية، أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا ينسجم مع كافكا ماكس برود المصنّع في مطبخ نصّاب محترف؟ هذا يناقض شخصية العصابي والكئيب والمتشائم والصارم …والخ.
لكن لماذا لفق ماكس برود عملية تزوير ضخمة بهذا الحجم؟ تفكيره الماكر أهداه إلى هذا الحل: ان صورة قديس مصنّع ومزيف وعصابي مريض على طريقة شاعر وكاتب وملحن بائس وفاشل تتطلب أن يكون هذا القديس غامضا ونبوئيا وصارم الوجه(كل صور كافكا تظهره على هذا النحو وماكس برود مصدرها بعد تنحية كل صور المرح البشري) ولا يخلّف أثراً لأن عادة القديس أن يأتي من المستقبل ومن الأمام، كما ان نموذج العصابي والهستيري هو نموذج مرتبط على الدوام بالقديسين والقلقين وهو أبعد ما يكون عن شخصية كافكا، بل تروي إحدى الوثائق ان كافكا كان يقرأ الفصل الأخير من روايته (المحاكمة) على بعض الأصدقاء وكان يضحك بين لحظة وأخرى، ولا توجد شهادة أخرى من أي وسط قريب من كافكا تؤكد كل هذه التلفيقات بل على العكس ان الحلقة الضيقة من الأصدقاء وكلهم من خارج الوسط الأدبي تعترف بصفاء وبراءة وطفولة ونبل كافكا ورقته وحيوته المدهشة.

لكن ماكس برود في صدفة قاتلة وجد نفسه قريبا من كافكا وكان الأخير مكبلا بمرض منهك وخارج الطبقة الأدبية ويعيش في عزلة عنها، فوجد ماكس برود نفسه طليق الخيال في قول ما يريد وكل شهاداته عن حوارات وأفعال وأقوال منسوبة لكافكا كانت تجري بلا شهود وجعلها في غرف أو لقاءات منفردة وفي أمكنة مغلقة تخدم غرضه الشنيع في التزوير المروع في قضية خطيرة تتعلق بالضمير والكرامة البشرية والفن، بعد أن فشل في كل حقول الأدب.
إن تلفيق أسطورة كافكا السوداوي والعصابي والمريض هذه أمر ضروري من جانب آخر لتأسيس أسطورة ماكس برود النكرة والفاشل والعاجز عن ممارسة أي فعل ثقافي، بل حتى رسائل كافكا الشخصية غير المرسلة والتي طلب إتلافها وهو حق شخصي وطبيعي وقانوني قام ماكس بنشرها:( وهو سلوك لا يمكن تبريره. خان صديقه. وتصرف ضد أمنية صديقه، ضد معنى وروح أمنيته، ضد الشعور بالحياء الذي يعرفه لدى كافكا) بتعبير ميلان كونديرا.
لم يكن طلب كافكا حرق رسائله بسبب خوفه من ناشرين لم يكونوا (مقتنعين برواياته، فما بالك أن تكون رسائله؟) ولكنه الحياء والحساسية والعذوبة المعروفة عن كافكا والتي شوهها هذا المحتال لأغراض تخدمه هو وسخر من العالم، لكنه اليوم صار رمزاً لأسوأ أنواع الاحتيال الثقافي في القرن العشرين.
في سنة 1959 أصدر ماكس برود بعد سلسلة كتب عن كافكا صار يعتاش عليها مستغلا جهل الناس، كتابا بعنوان “اليأس والخلاص في أعمال فرانز كافكا” وواضح من العنوان الطابع الديني، محللاً شخصية ” جوزيف ك.” في رواية ” المحاكمة”، قائلا: (ك. مذنب لعدم قدرته على الحب، إذ انه لا يحب أحداً، وكل ما يستطيعه هو التلاعب، لذلك عليه أن يموت). إنه لا يتحدث عن شخصية ” ك” أبدا لأن شخصية “جوزيف ك” شخصية عاشقة وعميقة وحية وصافية وحسية ولكن ماكس برود يصف نفسه لا أكثر، وهذا الحكم المفرط في السخف والتفاهة على هذه الشخصية التي غيرت مسار الرواية بل تاريخها في العالم تعكس ضحالة ماكس برود وهزال شخصيته أولا، وتعكس، ثانيا، الحكم على شخصية روائية من قاموس مشوه كماكس برود نفسه، وأدق وصف لهذه العبارة تعليق ميلان كونديرا الذي يقول: (دعونا لا ننسى أبداً هذه العبارة المتعالية، والغبية).
في عالمنا العراقي الثقافي نماذج من أمثال ماكس برود ولكنها لم ترتق إلى مستوى سطحية ووقار ورصانة هذا النصاب التشيكي، بل لدينا من الأدلة ما يؤكد تورط شريحة أدبية في استغلال هذا الصنف من المحتالين لأهداف سياسية وعقائدية وشخصية، خاصة بعد الاحتلال، وفي النسخة الورقية من كتابنا ( حامل فانوس النهار “جيل روائي جديد”) وهو تحت الطبع الكثير من الوثائق الدامغة والأسماء والشهادات الواضحة: فليس من المعقول أن تستمر المجزرة في الثقافة وفي السياسة في صمت يشبه المباركة المتواطئة.

إذا كان الاحتيال ينجح في السياسة وفي التجارة، في العلم والطب، في الصناعة وفي المال، وفي غير هذه الحقول، فإنه لن يجدي أبداً في الأدب، لأنه الحقل الوحيد، مع الفن، الذي يصبح فيه الاحتيال ضرباً من الخبل والانتحار وجريمة تزوير لضمائر الناس، ولعنة كافكا التي تطارد ماكس برود، ميتاً، ليست الدليل الوحيد على ذلك، بل انها الدليل الجديد على” ان الأدب والكذب أمران متناقضان” بتعبير رسول حمزاتوف.

هامش:
للمزيد يمكن العودة إلى مؤلفات ميلان كونديرا النظرية وهي: فن الرواية، الستارة، وبصورة خاصة “خيانة الوصايا”.

* روائي عراقي مقيم في النرويج صدرت له مجموعة روايات منها: “سنوات الحريق” ـ 2000، دار الكنوز (بيروت)؛ “عزلة أورستا”، وعنوانها الفرعي: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى ـ 2001، دار الكنوز؛ “المختفي”، دار الواح (اسبانيا)، عام 2000؛ “الأعزل”-2000: سيرة ذاتية روائية، دار بيرغمان، (النرويج) ، ومؤسسة الانتشار العربي 2006، طبعة ثانية؛ “صرخة البطريق”- 2007، دار أزمنة (عمان)؛ “حفرة فيراب” – 2008، دار الناقد الثقافي (دمشق) ، “حارس السلالة” عن دار فضاءات ، “حقول الخاتون” عن هذه الدار نفسها.
 







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

يَعْزِفُ للرّيح مبارك وساط | ترجمة إلى الإنجليزية سهاا السباعي