ثاين روزنبم: استراتيجيات رواية القصة | ترجمة: بثينة العيسى

ما يجعل كتّاب الروايات مختلفين عن غيرهم من الكتّاب، هو تلك الشعوذة الكامنة في عملية القص، سحر الخيال، اختراع الأصوات المتعددة، وسهولة الاعتماد على الحقيقة العاطفية.

ولكن قبل أن تُسحب كل تلك الأرانب من القبعة، وقبل أن يظهر الدخان وتعكس المرايا شيئا من البصيرة الإنسانية، يجب على كاتب القصة أن يقرر؛ من الذي سيروي قصّته؟ ومن أي زاوية سيتمُّ ذلك؟

هذا ليس أمرًا بسيطًا. اختيار صوت الراوي ليس قرارًا بسيطًا أو اعتباطيًا. جميع الرواة المحتملين يمكن أن يسكنوا عقل الكاتب، ولكن واحدًا منهم فقط (في العادة واحد فقط) سيتم استدعاءه من منطقة الاستعداد، ليحوز على انتباه القارئ، أو يجعله يفقد اهتمامه بالقصة نهائيًا.

بعض الرواة، ببساطة، أكثر ثقة أو تعاطفًا. بعضهم الآخر أكثر ارتباطًا بالقصة. وعلى أية حال، هناك عدة طرق لرواية قصة، وعدة وجهات نظر لسردها. ولكن أكثر الروايات نجاحًا تُقرأ وكأن راويًا محدّدًا واحدًا فقط يقدر على روايتها بنجاح.  صوتٌ واحد فقط مؤهل لذلك، صوت واحد فقط يمكنه ذلك – رغم أنَّ الكاتب تعامل مع عدة خيارات استراتيجية. وفي نهاية الأمر، الأمر ليس ببساطة تحريك عددٍ من الضمائر.

تتطلب بعض القصص من الراوي أن يكون في علاقةٍ حميمة مع الأحداث المروية، لأنها في نهاية الأمر قصّته، وعليه فهو يرويها بأسلوب الصوت الأول (أنا)، مثل:

لا أعتقد بأنني أستطيع أن أزيل ذكرى ذلك الصيف من رأسي، عندما ركبت إيميلي على الكرسي الجانبي لدرّاجتي الهارلي، وانفتحت الضواحي الصحراوية على سرابٍ من الاحتمالات الرومانسية.

بعض القصص يفضّل روايتها بواسطة رواة ليسوا ضروريين للحبكة أكثر من كونهم مراقبين – راوٍ محايد، شخصية هامشية، شخصية غير مستثمرة أو مرتبطة عاطفيًا في القصة.

مثال:

 من كان بإمكانه أن يتوقع أنَّ الجاريْن في البيت المجاور لم يمارسا الجنس قط؟ كان بيتهما فارهًا، ولكنّ لغتهما الجسدية فاضت بالغزل، والزيف. يافطة إعلان بيع البيت أعلنت أنهما لم يكونا أكثر من شريكي سكن مع رخصة زواج.

العديد من الرواة الناجحين في أعمال جون إيرفنغ، اتجهوا إلى هذا الانعزال الموضوعي، حيث يكون الرواة عادة في رهبةٍ من شخصيات أكثر حضورًا وكاريزما. في قصة هيرمان ميلفل “Bartleby The Scrivener”، الراوي هو محامٍ هرم ينظر إلى ماضيه بندمٍ وحيرة وهو يتذكّر موظفه السابق، الأجوف على نحوٍ ميؤوس منه، والخاضع على نحوٍ مدهش. [i]

وهناك بالطبع، الراوي كلّي المعرفة، الصوت المليء بالفطنة، الذي يهيمن على القصة تمامًا، فتبدو وكأنها تلوح في رؤوس الشخصيات الرئيسية[ii]. وهناك أيضًا الراوي غير المبالي؛ صوتٌ متحررٌ تمامًا من المشاعر، منفصل من عجينة الكتاب، مثل المشاهد التائه الذي لا يختلف عن أكثر القرّاء بساطة في توصيل نقاط الحبكة ببعضها، مثل صوت الراوي في رواية “المحاكمة” لـ فرانز كافكا.


يمكن لكل هذه الاستراتيجيات الروائية أن تتكامل أو تتصادم مع وجهة نظر القصة.

يمكن لكل هذه الاستراتيجيات الروائية أن تتكامل أو تتصادم مع وجهة نظر القصة. في رواية “أن تقتل طائرًا بريئًا[iii]” مثلا، كانت “سكوت” تروي القصّة مثل شخصٍ بالغ ينظر إلى طفولته، وكانت تراجع الأحداث المفصلية التي شكّلت ذاكرتها. من وجهة نظر طفلة التسع سنوات، لم تكن سكوت قادرة على تقدير أو فهم الأبعاد المعقدة للعنصرية في “الديب ساوث”، ومقاومة والدها لها. ولكنَّ البعد الزمني والنضج جعلاها أكثر مقدرة على رواية ما حدث، وهي تروي القصة بشكلٍ كبير من وجهة نظر والدها؛ آتيكوس فنش.

كان بإمكان هاربر لي، مؤلفة الكتاب، أن تجعل آتيكوس يروي القصة بنفسه، ومن وجهة نظر موكّله المدان؛ توم روبنسون[iv]. كما كان يمكن لكالبورنيا، خادمة المنزل السوداء، أن تكون راوية مثيرة للاهتمام، لكونها عاشت في العالمين؛ الأبيض والأسود، وكانت مدركة لوجهات النظر المتعددة. ولكن هذه الخيارات ستصنع روايات مختلفة.

أحيانًا، يمكن للكاتب أن يغشّ ليجعل عددًا من الشخوص يتناوبون على رواية القصة، فتتعاقب وجهات النظر وتتبدل نقطة التوازن في سلطة الراوي.

القصص التي تصوّر عوالم متقطعة، من الأفضل روايتها من خلال رواةٍ متفرّقين. وحتى مع هذا المزج الموسيقي بين الأصوات، يمكن للصوت الثالث أن يطفو على السطح وأن يفرض سلطته من جديد، مذكّرًا القارئ بأن كل هذه الأصوات الفرعية ووجهات النظر تنتمي إليه في نهاية المطاف.

وكما نعرف طبعًا، حتى صوت الراوي الثالث ليس مهيمنًا تمامًا، في ظل وجود كل هذه الأصوات التي تتعالى وتتنافس داخل رأس الكاتب المشوّش.

الهوامش: 

[i] الراوي محامٍ في منهاتن يحكي قصة أغرب رجل عرفه في حياته؛ بارتلبي. تبدأ القصة بقيام المحامي بتعيين اثنين من الموظفين كاتبيْن لنسخ الوثائق القانونية. ثمّ أدت زيادة العمل إلى الحاجة إلى كاتب ثالث، وقد قام بتعيين بارتلبي بائس المنظر على أمل أن يساعد هدوءه على تهدئة المزاجين الغضوبين للكاتبيْن الآخرين. في البداية، ينتج بارتلبي الكثير من الأعمال وبجودةٍ عالية، ولكنه في أحد الأيام عندما طلب منه تقديم المساعدة في تدقيق مستند قانوني، أجابَ بما سيصبح إجابته الدائمة “يفضّل عدم القيام بذلك”. وبسبب استيائه من المحامي والموظفين الآخرين، أصبح بارتلبي يؤدي أعمالا أقل وأقل، حتى انتهى إلى لا شيء. في أحد الأيام، يكتشف المحامي بأن بارتلبي يقيم في المكتب، وهو ما يفسر وجوده الدائم فيه. يشعر المحامي بالخطر على سمعة المكتب، ولكنه مع ذلك كان عاجزًا عن طرده من الناحية العاطفية، فقام بنقل مكتبه إلى مكانٍ آخر، ليأتي المستأجرون الجدد لطلب المساعدة منه لأن بارتلبي يرفضُ ترك المكان. فهو يجلس على الدرج طوال اليوم، وينام في مدخل المبنى. عندما يعرض عليه المحامي المجيء للإقامة معه، يردّ بالجواب نفسه “يفضل عدم القيام بذلك”. يغادر المحامي ثم يعود بعد فترة ليجد أن بارتلبي قد أُخرج بقوة من المبنى، وأنه أودع السجن. يزوره المحامي في السجن ليجده أكثر كآبة من أي وقتٍ سبق، ويقوم برشوة الحراس للتأكد من حصوله على ما يكفي من الغذاء، ولكنه عندما عاد بعد أيام وجد أن بارتلبي قد اختار ألا يأكل، حتى مات من الجوع. بعد ذلك بفترة، يسمع الراوي بأن بارتلبي كان يعمل في إدارة البريد الميّت، ويقصد به البريد الذي لا يصل أبدًا إلى المرسل إليه، وهو الشيء الذي يمكن أن يجعل شخصًا بمزاج بارتلبي يغرق في مزاجٍ معتم. يختم الراوي القصة بصيحة “آه يا بارتلبي.. آه أيتها الإنسانية”. (المراجعة؛ ب. ع).

[ii] يعرف عادة بالراوي العليم، أو الصوت الثالث، والذي يشير إلى شخصيات العمل بصفتهم آخرين؛ هو/ هي. (المراجعة؛ ب. ع).

[iii] الترجمة الحرفية للعنوان هي “أن تقتل طائرًا محاكيًا”، وهي الرواية الأشهر لـ هاربر لي، ترجمتها إلى العربية داليا الشيال، وقد صدرت الطبعة الأولى عن دار الشروق في 2009.

[iv] كان أتيكوس فينش محاميًا أبيض البشرة، يقبل القضايا من الملوّنين ويدافع عنهم، وقد تعرّض لكثير من التهديد والضغط الاجتماعي والإقصاء بسبب ذلك (المراجعة؛ ب. ع).

المصدر: Naming The World – الصفحات 123-125

نقلا عن تكوين


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

مصطفى شريف يكتب عن روايات جرجى!