ثلاث قصائد نثر للشاعر السلوفيني اليش ديبلجاك | ترجمة عبـد القادر الجـنابي

1
في هذه اللحظة، في عتمة غرفةٍ باردة، يقتربُ الرّعدُ من بعيدٍ، عبر النوافذ العاصفة والألواح المُغبرة، الماء في الوعاء لا يغلي، حين تلهث السّمكة تحت الجليد، حين ترتجفُ نصف نائم، كما لو من دون أمل، حين قطيع – سرب أيائل ترك السّبَخات الجافة عميقاً في الغابات ويجيء إلى الحدائق في المدينة، هذه اللحظة العابرة، حين يشرّح البردُ خلال عمودك الفقري، حين يتصدّع العسل المُتَجَسِّئ في الجِرار، حين فكرةُ يدِ امرأةٍ – موضوعةٍ على صدغِ الميت - تقترب أكثر فأكثر، حين تبدأ بالنهوض من أعماق الذاكرة، قرى مُدمَّرةٌ كنت تودّ أنْ تنساها، حين يحرق الإحساس بالذنْب والحقيقة معدتَك، حين تندفع الديوك البرّية الخائفة، من النسيج المعلّق على الحائط، حين يترك الحراس مواقعَهم يصفّر واحدُهم للآخر، ثاقبين الهواء، حين تكسّرُ حجارةٌ حادةٌ دماغَك، أَعليَّ أن أذكّركَ بأن جسدك المجروح لن يكون مختلفاً عن ظلٍ تلقيه جَنْبةٌ منعزلة، على الأرض المهتزة، شرق عدن؟

2
باعْتدالٍ، راقبَها من خلال ظلالِ أثاثٍ مرتبةٍ عَرَضاً في الغرفة الضيّقة، خلال ستارٍ رفيعٍ منسدلٍ فوق المرآة المعلقة في الدولاب، خلال بصيصِ ضوءِ الشّمس والغبار يشطر الغرفة. كانت في سباتٍ عميق، رأسُها تحت الشراشف حيث كانَ يجب أنْ تكون الوسادةُ، كتفُها عار، فاقدة الشعور بالعالم. يداها، أظافرها غير المشذّبة فوق البطانية المنسحبة على معدتها، ترتفع وتهبط في كلّ جرّة نفَس. شراشف ملطّخة، ضيوفٌ فيما مضى، حيواتٌ أخرى. أو هل أصيبت عيناه بالغشاوة بسبب التحديق طويلاً؟ تقوّسُ ذراعِها يغطّي حُلمتها المعتمة، حزامُ ثوبِ النوم السّاقط. على كتفها شريطُ ضوء، يتسلّل برقّة، كما لو عبر حجابٍ، أسفلَ رقبتها. ربما كان تعباناً بعضَ الشيء. ليس جزوعاً: نشأ يفكّر: لماذا هنا؟ ثمّة أماكن أخرى كثيرة، ومع ذلك هنا، دوماً هنا؟

3
لا يمكن أنْ تجري الأمور هكذا إلى الأبد، لا كلمات، لا أشكال، لون مائي ملوّث. ربما لم يفت الأوان: في مكان ما، لايزال الماء يطفح على حافة النافورة، في مكان ما قد يُعثَر على جواب. لنقل سربٌ عصافير أسود لا يزال يمرح في الباحة، صرخةٌ تعود كصدى، أحلام – إنْ هي أحلام – لا تغيّر أبداً مغزاها، لا يزال ثمّة قوارب نهرية تطفوا مع المجرى. ربما ليس متأخراً جداً.  هكذا أعرف أنه لا يمكنك أنْ تقول أيّ شيء لي لا أعرفه أصلاً. أنا أعرفُ أني موجود. مثلاً: اليس هذا هو صوتي الحاد يصعد مُلتَفاً المَصاعد؟ أليست هذه هي راحةُ يدي؟ لكن لِم هذا الألم، الآمل، الخوف؟ على حين بغتةٍ أتعرّف على نفسي. نعم، ذا أنا. بلا ريب. هذا أنا.

- See more at: http://elaph.mobi/culture/1050805/#sthash.xD4IZVkc.dpuf

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

يَعْزِفُ للرّيح مبارك وساط | ترجمة إلى الإنجليزية سهاا السباعي