تلك الصفحات تنوء بما تحمله! حسن داوود

يصعب كثيراً على قارىء رواية التركي سلجوق ألتون أن ينسبها إلى أيّ من التصنيفات الروائية المعروفة. بل إنه، كلما عاد إليها ليستكمل قراءة صفحاتها الباقية، يجد نفسه غير متذكّر ما تقدّم من سابق الصفحات. إن شئنا أن نستخدم العنوان الذي أعطاه لها كاتبها، وهو "أغنيات لم تعلّمني إياها أمّي"، لقلنا أنها تسير متنقّلة بين مقامات لحنية عدّة، منفصل أحدها عن لآخر. وذلك ما يجعل قراءتها صعبة إلى حدّ أنها تتطلّب الرجوع دائما إلى ما كنا قرأناه، لنعرف أين كنا وعلى ماذا نحن مقبلون.

بطل الروائي هو أردا أرجينكون، اليهودي المقيم في اسطنبول في قصر عثماني بناه أحد أجداده وهو عاش فيه "كوريث وكضيف وكسجين، والآن كسيّد". كان يستطيع، بعد وفاة والديه، أن ينتقل إلى شقته الواقعة في قمة ناطحة سحاب، لكنه فضّل البقاء في القصر من أجل "إفاكت" الخادمة" التي هي على استعداد لتتناول حبّة فاسدة من دواء البروستات فقط كي لا تضيع الحبّة سدى". أما أمه، الأكثر شجاعة على الإطلاق من بين النساء جميعهن، والتي استسلمت للسرطان، فهي المرأة التي قالت له قبل إدخالها إلى غرفة العناية الفائقة: "أردا، أفضل مطعم للدونر كباب في اسطنبول هو في الشارع الواقع إلى يمين هذا المبنى، إذهب وجرّبه..". أما والده فرجل كثير الصفات، أبرزها أنه كان مثقفّا عبقريا في مجال الرياضيات وما يتصل بها، وقد مات قتلا.

أردا أرجينكون، المرموز إيه بحرف "أ" في بداية كل من الفصول التي تعود إليه روايتها، يشاركه "ب" في رواية الفصول الخاصة به. لدينا بطلان إذن. وراويتان، تُرك لكلّ منهما أن يعرّفنا بنفسه وبحياته وبمآزقه ومآسيه. ألبطل الثاني هذا، وإسمه جاهد بدرخان، شخصية ملتبسة بدأ العمل كقاتل مأجور، لمرّة واحدة أولا، ثم استمرّ بعد ذلك حتى ضمّت قائمته الكثير من الضحايا. لكنه مع ذلك متديّن ورفيع الخلق فهو لا يقتل إلا من يُلحقون الأذى بسواهم، والذين ينبغي تخليص البشرية منهم. بين ضحاياه والد أردا، الذي لم يكن قد رآه قبل إيداعه الرصاصة في رأسه.

هما خطّان متوازيان تسير فيهما الرواية، أو حياتان تسيران مفترقتين ومتصلتين في وقت واحد. سينتظر البطلان، "أ" و"ب" آخر الرواية حتى يلتقيا، وذلك بعد فصول كثيرة من مجريات الحياة التي قضاها الأوّل متنقلا بين الغرام وإرث العائلة ووطأة الأهل الميتين والحوادث العرضية وإدارة الشركة التي تركت له، وذلك الخال الذي احتل قسما من الرواية من دون أن يُستدخل إلى سياق أحداثها، وذلك المدرّب الذي علمه الرماية بعد أن قرّر قتل قاتل والده، وكذلك الروائي الذي يحمل اسم كاتب الرواية نفسه "سلجوق ألتون" والذي هو شخصية حاضرة في الرواية رغم ثانويتها. ولنضف إلى هذه الفوضى التي لا تتحرّج من التنقل بين الطابع التذكّري والعقدي (بسبب علاقته بأهله وكذلك علاقته بحاضره) والغرامي، ولنضف إلى ذلك ذهاب الرواية معه، في فصولها الأخيرة، إلى أن تصير شبيهة برواية الأسرار والسراديب وتاريخ الأمكنة (وكل ذلك وسواه متصل بحياة أردا، البطل الأوّل).

البطل الآخر "ب"، ذو الحضور الأقل، أقرب إلى شخصية تراجيدية عادية، على رغم ازدواجه بين ارتكاب القتل المتواتر وثقافته الواسعة وتديّنه. في نهاية الرواية يلتقي البطلان، لكن بلحظة سريعة هي لحظة القتل، أو الإنتحار. "هذا المسدّس امسكه، في خزانه رصاصة واحدة فقط إطلقها على رأسي. لا تتأخّر في ذلك، وإلا تولّيت أنا قتلك...".

لا عدّ لما أدخله الروائي من عوالم وتفاصيل على روايته. لقارئها تبدو أكثر اتساعا بكثير من صفحاتها المئتين والعشرين، وأكثر تشتتا وذهابا في كل اتجاه، وأكثر ثقلا واستعصاء على استدلال قارئها عن فكرتها، أو موضوعها، أو إلى ماذا تذهب بعد ذلك الإستعراض لكفاءة كاتبها.


*رواية سلجوق ألتون "أغنيات لم تعلمني إياها أمي" صدرت عن دار الساقي بترجمة ريم طويل في 222 صفحة، 2015



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحات الصباح للتخلص من حبسة الكاتب | جوليا كاميرون

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي. | ترجمة أماني لازار

يَعْزِفُ للرّيح مبارك وساط | ترجمة إلى الإنجليزية سهاا السباعي