الرئيسية » , » بالقرب من جسدي نصوص شعرية | ياسر شعبان | العدد الثالث والسبعون

بالقرب من جسدي نصوص شعرية | ياسر شعبان | العدد الثالث والسبعون

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 13 ديسمبر، 2014 | 10:27 ص









بالقرب من جسدي
نصوص شعرية
ياسر شعبان










وأنت أمام شاعر كهذا، وشعر كهذا، ما الذي تملك سوى أن تتجرد من كل ثوابتك الشعرية، وربما المعرفية المقيمة، والسابقة على آنيتك المعيشة، وأن تذهب، مثلما ذهب، في رحلة شكه شبه "الديكارتي" إلى إعادة ـ وربما بعثرةـ ترتيب الأشياء، في بحثه الجاد عن فصيلة دم أخرى، وإن تكاشف عن نهاية تشبه طواف "دون كيشوت"، أو في بنائه وإن تمخض ـ ربماـ عن أوجه دال على "الهدم". هي خطوة إذن، لأمام أو وراءـ لا يهم ـ، قفزة في فراغ سديمي حافل بالاحتمال، يومئ أكثر مما ينذر، يومض أكثر مما يبين، قبضة ريح تشتق مشروعيتها من ملهاة التجريب ومأساته!
بمنطق باوندـ التجديدي، كلما أردت أقرأ كتابًا "جديدًا" أكتبه، وفي تواضع ماكر لا يشبهه سوى الكبرياء، الزاهد في معطيات الحقيقة الظاهرة، يقدم شعرًا غير متفق عليه ونثرًا لا ينتمي لمشهد النثر، ولا يدعي لأيهما خلودًا، فوجود الشيء يحمل الاعتقاد على فنائه! أو لم يكن على "التفعيلة" أن تثور كي تفسح المحال آخر الأمر لإرهاصات النثر؟!
للنثر إذن أن يقاوم تلك "الأسطورة"، كي ينتهي على يديها، وكلما قاوم أكثر، انتهى أسرع ـ كما يرى بارت في أساطيره. فهل ترانا الآن نخطو باتجاه "ما بعد النثر"؟.. أي قانون إذن يحكم تلك الحركة؟ أي وصفية لها؟ أي أبعاد؟.. متى تراها تكتمل..؟ متى تنتهي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الغلاف الخلفي لمجموعتي الشعرية (بالقرب من جسدي)
كتبها القاص والروائي والمترجم الراحل سيد عبد الخالق (مدير تحرير سلسلة إبداعات حينها)


















إلى وعي إدوار الخراط 
وصوت على الحجار 





















لقد مضى الوقت الذي يدعونا أن نكون غير شخصانين، فنحن نبدأ من متعة أن نكون أنفسنا، فكل شئ اعتقدنا في وجوده، وسوف نعتقد، يعيش في هذا الجسد. 
د. هـ . لورانس






1
هذا ما يحتاجه ـ فقط ـ







































أزعم أنني لا أمتلك وسائل محددة لتحقيق الشعرية، لكنني أعتقد في وجود شعرية ما كامنة في كل الأشياء والعلاقات، فقط كل ما احتاجه أنما هو الرغبة في استقبالها... 
ولد مشوه 

أقول ـ ولد مشوه ـ 
أصمت طويلًا وأندهش 
تقولون ـ ولد مشوه ـ 
وتشيرون نحوه ـ مرة واحدة ـ 
المكان موحش وغريب 
وثمة عربة واقفة عند أول الشارع 
وعربة تمر أمام التمثال مسرعة 
أقول 
ـ ولد يبول ـ 
فعل خارج قليل الأدب 
تقولون ـ ولد يبول ـ 
وتستديرون إلى الحائط بوجوه متعبة .. 
والمكان نفس المكان 
وثمة شحاذ بساق واحدة 
وملصق على الحائط لا مرأة عارية 
وجندي حراسة يمسك بكلتا يديه 
كوب الشاي الصباحي .. 
أقول للبنت.. 
ـ أرداف رائعة ـ 
وأحدق ـ تجمع كل العيون 
بقعة أو بقعتان 
أشعر بالحرج 
تقبض كفي على علبة السجائر الفارغة
تكورها بقوة 
وأقول ولد مشوه 
تهزون الرءوس .. 
وإلى صاج الدكان المغلق يرتكن 
حدبة على الظهر وعرج في الساق اليمنى 
أشير 
يجلس أمامي على كرسي من خشب 
خمس عشرة دقيقة 
لخمس عشرة ليلة 
وفقط ــ يبتسم 
مرة أو مرتين 
كل ليلة 
يعود للجانب الآخر في قفزتين 
هكذا ــ أعمق
الليلة ــ قررت أكلمه 
ولم يأت 
أردد ــ ولد مشوه ــ 
والعيون لا تعرف أين تبص 
يهمسون وسباباتهم تجاهي 
أردد ــ ولد مشوه 
ولد مشوه ولد مشوه ولد مشوه 




















في الثانية عشرة  تمامًا

أترك كل شئ كما هو 
وأبدو مشوشًا مستبدًا 
هذا  وضعي 
أرتاح له ــ والذي لا ترون ــ 
غايتي صوت صورة رائحة وملمس 
في نوبة جنون.. 

المصباح أضاء 
الحجرة واسعة واسعة واسعة
والسقف قريب قريب قريب
رأسي مرتاح فوق المنضدة 
ويداي مشبكتان عليه.. 

ليلة أمس 
البنت واقفة في هذا الركن 
أمام اللمبة عارية تمامًا 
نهداها نافران 
وخدي مرتاح على كتفها 
والظل مرمي على ملاءة السرير الحمراء تمامًا 
 ورائحة زيت رخيص ولبان مُر والملح الزائد جدًا في عرقي 
عيناي مغمضتان تمامًا 
وكفاي مشبكتان  بقوة  
على ظهرها 
دَقُ قلبها يسبقني بدقة
أو على  الأكثر دقتين  


ليلة أمس  
الأشياء فوق شعريتها تمامًا 
كنت ضائقًا.. أنفجر.. أروح وأجئ أجئ وأروح 
أسكب شايًا.. أشطب سطرًا وأُطَوِّح ذراعي في الهواء 
أُغني وأتنهد.. الأشياء فوق شعريتها تتحداني .. 


ليلة أمس  
في الثانية عشرة تمامًا  
تقف في الركن أمام اللمبة  
تعطيني ظهرها وهي عارية تمامًا
وعليه حبوب صغيرة ونمش أيضًا 
وشعرها أسود طويل ومنسدل 
تفوح منه رائحة زيت رخيص  
حتى ابتداءة استدارة مؤخرتها الصغيرة 
ووجهي مرتاح على كتفها 
وكفاي مشبكتان بقوة تحت نهديها الناافرين تمامًا 
ورائحة الزيت الرخيص واللبان  المُر والملح الزائد جدًا في عرقي 
ودَق قلبها يسبقني بدقة 
أو على الأكثر دقتين.. 


ليلة أمس  
في الثانية عشرة تمامًا 
الشاي يفور على الموقد والماء ينساب من الصنبور 
والقط يموء وخط الشاي المنسكب ينفذ  إلى شعرية الأشياء  جميعًا
 أتثاءب وتفر من كفي ذبابة تطن 
يا سلام يا  بنت 
جميل جدًا  ضوء اللمبة من جسمك العاري 


عيناي مفتوحتان تمامًا 
في الثانية عشرة 
وجه منفجر فزع على قطعة قماش بيضاء 
وأزرق وأسود.. حية تمامًا.. ومحاطة بإطار خشبي 
وماء آسن وملح زائد جدًا في عرقي  
تمامًا 
شعرية الأشياء 
الآن..  من بين أصابعي  




















عربة ترش الماءـ قديمة جدًا

عربة ترش الماء 
"عربة قديمة ـ جدًا" 
على أسفلت الشارع 
أسفلت مهترئ جدا 
وأولاد كثيرون يجرون 
"كثيرون وصغارـ جدًا"
يهيصون.. 
والآن ـ يخرج ولد واحد ـ فقط 
من شارع جانبي ـ فجأة 
"مُتسخ وضيق ـ جدًا" 
يراقب هيصة الصغار 
حول العربة 
يداه في جيبي بنطاله ـ ويصفر 
يتلفت ويبتسم 
" ابتسامة واضحة وقصيرة ـ جدًا"
تخرج بنت واحدة فقط 
قصيرة وجميلة ـ جدًا 
تقف وراء ظهره ـ تمامًا 
يدوس بحذائه الكاوتش 
خطًا يمتد بطول الشارع 
"واضح ورفيع ـ جدًا" 
حتى بيت البنت 
تدور العربة وتعود 
" ساكتة وبطيئة ـ جدًا" 
ينفز الصغار يهيصون 
حول العربة 
يرفع عينيه قليلًا 
البنت في الشرفة 
وأوراق الكراسات تساقط 
مطرًا وعصافير 
قطرة ماء من حبل غسيل 
ومشبك.. 










ولا أستطيع المشي على سطح الماء.. 

طريقك هكذا ـ فلا تغيره.. 
الساعة ـ الآن ـ التاسعة صباحًا 
وثمة أشياء جميلة ـ جدًا ـ تحدث 
فهذه البنت ـ مثلًا 
هذه الطويلة في بنطالها الأحمر الضيق 
وشعرها الأسود المنسدل 
تبدو من انفراجة شفتيها الدائمة 
في مضاجعة لا تنتهي 
وثمة أشياء جميلة جدًاـ تحدث 
فهذا الطفل ربما قال لأبويه ـ صباح الخيرـ 
أوعلى الأقل ـ شَدّ الغطاء عليه مرتين ـ 
قبل أن يقوم ـ 
هكذا 
في التاسعة صباحًا 
مزاجي معتدل ـ ولم أنم من أمس ـ 
أقبل أن أُحب كل هؤلاء الناس ـ بصدق 
وأتسامح حتى مع البنت التي لا تُعيرني انتباهًا 
وربما ينتابني فجأة ـ انقباض شديد ـ لا لشيء ـ 
أجلس خلف حديد الكورنيش أُحدِّق في ولد وبنت 
على الجانب الآخر ـ ومراكبي عجوز في قارب صغير 
ولما تطلع البنت وتمشي على سطح الماء 
أبتسم.. 




















قليل من الهواء


يا سلام 
قليل من الهواء 
لترتفع جيبتها المزركشة
وتكشف ـ مؤخرتها لم تعد مستديرة ـ 
ولتعد كل الأشياء كما كانت ـ تمامًا 
فراشة جافة في كتاب قديم بلا غلاف 
ودمية محشوة بالقش فوق رف.. 
يا سلام 
الدبلة الآن مغروسة في لحم إصبعي 
وثمة استدارة الآن بين يديّ.. 









طبعًا

أنتِ هناك 
ربما خلفي 
وربما أمامي
ولا أندهش 
والله 
البنت لم تقفز من الشرفة لما افترقنا 
والولد لم يصدمه القطار ليلة الخميس 
فقط 
دَسّ رائحتها في كتاب قديم
وخصلة شعر في الحافظة 
وأنتِ هناك 


أمس ـ رأيت اسمين منقوشين 
في دبلته الفضية لما دحرجها على المنضدة 
وربما 
أُفكر في تمزيق شريان يدي اليُسرى 
أو القفز من فوق كوبري قصر النيل 


أمامي 
وربما خلفي 
تطير ورقة بيضاء 
ويمشي طائر على الإفريز وحيدًا.. 
















لما أُدحرج هذه الدبلة الفضية على المنضدة  
فأنا أعني تمامًا ما أقول..

بالضبط ـ الأشياء لا تحدث ـ 
وصحبتي في المقهى يستبدلون الشطرنج بالدومينو 
ويُحدِّقون في النساء ويضحكون جيدًا ويندهشون 
ولا شئ يستحق أن يقسو الواحد على نفسه 
وأنا لست شريرًا كالمعتاد 
وأنت لا تكرهني ـ كما يكرهون 
والبنت التي في ركن من الذاكرة مُعتم 
والبنت التي على أطراف أصابعها 
وبنت الجيران التي ربما تبادلني مشاغلة بمشاغلة 
ومَن يطارد مَن.. 
ولا تسكب الشاي على أوراقي 
ولا تقرأ مسوداتي 
ولا تحاول تستدرجني 
فثمة أشياء لا أخبئها ـ ومختبئة.. 
بالضبط ـ أعني تمامًا ما أقول ـ 
فثمة أوقات طيبة تأتي بغتة 
تتدافع قبل فوات الأوان.. 
وهذه البنت لا تستحق وتعرف 
وسقوطي من مرتفع 
وخروجي المباغت للطرقات حافي القدمين 
الآن ـ لهما معنى 
وأيضًا 
الماء في هذا الكوب مملوء بالجراثيم 
وكذا الوسادة تحت خدك ـ تمامًا 
والبعوض لا ينقل "الإيدز" 
طبعًا 
في كل مكان 
العمر من بين الأصابع ينسرب.. 
بالضبط.. 
بدأت تفهم ما أقول 
وصحبتي في المقهى يستبدلون الدومينو بالشطرنج 
وأنا شرير ـ ليس كالمعتاد 
وأنت تكرهني بشكل خاص 
ولا شئ يستحق أن يقسو الواحد على نفسه.. 







ملابس صغيرة على حبل غسيل
إلى إنسان حقيقي
                                                                                                           سيد اوكيل
هذا هو .. 
يدان مشبكتان خلف الرأس 
وذكرى تروح وتجئ ـ بانقطاع 
كرسي في طرف الشرفة وروب صوفي 
كوفيه وكوب شاي ـ لم يعد ثقيلًا ـ مُر 
وأشرطة كاسيت تدور.. 
ورنة الصوت الجميل ـ جميلة 
كما كانت.. 
ومئات قليلة جدًا من الكتب القديمة 
وعمر من بين الأصابع ينسرب.. 

هذا هو.. 
يطلع له أولاد شيطانيون ـ فجأة 
"يدربكون" الأمكنة بأشياء ليست ممكنة 
ويشغلون فراغات باردة لأولاد قدامى 
هذا الولد ـ من الآن ـ يطيل شاربه 
ويتابع حركة أصابعه ـ ليقلده 
تمامًا وآخر لا ينظر إليه ـ ويتشربه 
ورنة الصوت الجميل تردد لحنًا تسرب إليه 
في ألم الصغيرة وكل الأشياء التي لم تأت بعد 
وممكنةـ وشارع يسده غشاء بكارة فضه 
وبنت عفريته أيام جندتيه ـ في الستينيات ـ تهديه 
بالإنجليزية ـ مكابدات ولد في "صيف اثنين وأربعين"
 ورنة الصوت وقتها تردد لسنا وحدنا المتعبين .. 

هذا هو .. 
وطول الجلسة يزيد الوجع 
وأشياء في رأسه المُتعب تتدافع 
وانقباض لموت مفاجئ يصيب أناسًا ليسوا أصدقاءه.. 
وقطرة ماء تسقط على ظهر كفه 
فوق حافة السور.. وصوت الولد يدفعه للتفكير 
في حالة عينيه وخصيتيه ووحدته التي لابد مقبلة.. 
ويزوم ـ لما يباغته بأشياء لا تفهم من كتب جميلة 
يضرب بقبضته الحائط وينجرح 
ويفر الصغير تحت السرير وامرأته على أطراف أصابعها 
يصرخ.. 
المدارس تقتل أطفالنا 
حتى الناجين ـ يموتون 
أليس كذالك؟ 
لا تكذبوا عليَّ..
 لحظتها ـ فقط 
ربما أنظر في عينيه ـ لا لشيء 
وأحاول  أقول شيئًا عن الماء 
الماء الذي يسقط على حافة السور المهترئة 
وعن الوهم والقوى الروحية.. وكيف أنّا 
لسنا مرسلين.. 
أحاول أقول شيئًا ضخمًا ـ وكل مرة أضحك 
للملابس الصغيرة على حبل الغسيل.. ولا أعرف 
هل يحتاج أُخبره عن الأصدقاء 
في الحضور وربما الغياب يرددون 
لن يتوب 












اسمي مكتوب على حائط مقابل
بطباشير أبيض وخط غير منمق.. 


بصراحة 
لو كان لديّ مكان خال 
لجربت مع هذه البنت كل ـ فنون الهوى 
 آه ـ 
لحجرتي شبكان 
أود أفتحهماـ تمامًا 
والبنت ترفع جلبابها حتى فخديها 
ورأيت نهديها صغيرين يرتجفان 
تحت قميص أسود باهت 
وليس هناك داع للقلق 
والحياة فراغ كبير 
ومن لا وهم له ميت 
لا تصدقني..... كيف؟ 
والبنت التي انتظرتني في الشارع ثلاث مرات 
تقول إنها تشاغلك 
وحتى رذاذ المطر الخفيف ـ من زفيري ـ 
وأيضًا 
تابع وجوهنا ونحن نلعب الدومينو 
ونصرخ في لاعبي الكرة ـ ونناقش 
كلامًا بكلام ـ والوجود والتحقق والعدم وكيف 
يكون النص حيًا ـ وتفاهة الرمز ـ والقوى الروحية للأشياء 
و" الفتش"ــ أشعر أننا لابد نسخر من هذا الحماس ــ 
والحياة جسدي وجسد البنت 
معبآن تمامًا بروحينا 
والكلمات لما أقرءوها تختلف كثيرًا 
وأسمي لما أراه وأسمعه 
ورذاذ المطر الخفيف ـ من زفيري ـ 
ثُمّ ـ ماذا يهم.. 
لما يقرأ ولد ـ كلامي عن شعرية الأشياء ـ مثلًا 
فتتسع عيناه ويطوح يديه في الهواء.. 
يزفر ويتمتم ـ عبقري.. عبقري.. 
ولن أحزن لما يسقط رذاذ المطر الخفيف ـ من زفيري ـ 
على شعري أو شعر ولد لا أعرف.. 
وأنا لم أر البنت وهي تكتب اسمي 
ولما تغلق باب الحجرة أمارس معها الجنس 
ثُمّ أنصحها تعود لزوجها وطفليها 
وأبتسم 
 ــ لماذا؟ــ 
يبدو أنك غبي 
وتدعي أنك مضطهد ـ كالمسيح مثلًا ـ 
وثمة رذاذ مطر خفيف ـ من زفيري ـ 
والله ـ من لا وهم ميت ـ 




















ولما تخرج إلى الشارع تشعر أنك محاصر


لا يا عزيز ـ هذا غير ممكن ـ 
البنت نائمة على سريرهاـ والشباك مفتوح 
"إحلف".. أعلى بطنها ام ظهرها؟ 
وأين وقفت بالضبط؟ 
وماذا رأيت؟ 
أراك تستند بكوعك على هذا السور المهترئ 
وتدلي نصف جسمك ـ تقريبًاـ في الهواء 
وأرى ـ الآن ـ فمك مفتوحًا على آخره 
وعينيك والسيجارة بين أصابعك تحترق 
لا يا عزيز.. 
لن أدخل ـ وهم لن يغضبوا من وقفتي كما غضبوا منك.. 
بالتأكيد أنت لا تفهم أشياء كثيرة.. 
ولا تكاد تعرف عن المسيح أكثر ـ قليلًا 
من معرفتك بأحوال البنات.. 
أف.. 
كم مرة قلت لك لا تنفخ الدخان ناحية عيني اليسرى 
ولا تتحجج أمامي بالناموس الذي تخاف تخرقه 
يا متخلف ـ الله يحب من يخرقون نواميسه 
بالطبع ـ طالما الله موجود 
فكل شئ مباح..
وغالبًا سنواجه حربًا أهلية ـ آه 
ألم أخبرك عما حدث لي في العتبة 
يوم وجدت نفسي أدخل من بوابة لحوائط من صفيح
لأخرج من بوابة أخرى 
بالطبع ـ وأنا متيقظ ـ وفي الشارع .. 
لحظتها فكرت ماذا لو أغلقوا علينا البوابتين..؟!
أهذا مضحك؟.. طيب.. 
قُل لي 
متى أستطيع إحضار بنت إلى شقتك..؟!












هذا ما يحتاجه ـ فقط..


ولد يشوط بحذائه الحصى وغطاءات العلب 
ويجلس في ظلال الأعمدة والكباري 
يراهن بصور ممثلين ولاعبي كرة وبنات عاريات 
ليكسب صور ممثلين ولاعبي كرة وبنات عاريات
في جيبه قرش نحاسي منذ عام 
طوال الليل يدربه
"لما أقول لك ملك ـ كن ملكًا ولما يقولون.... كُن كتابة.."
يتوارى في ركن حجرته وركن الفصل والمقهى 
يرتعش لما يرى نفسه بين أرداف النساء.. 
فينكمش منتشيًا جدًاـ وخائفًا 
ولما ينادونه ويختفون في الغبار والدخان 
ويحفرون في الجدران تواريخ وحروفًا وقلوبًا بسهام 
وشياطين حُمر ومصر وإسرائيل وشتائم..
هكذا بامتداد حيطان الكباري والبيوت والمدارس والباصات.. 
ثُمّ ـ يكبرون..
يؤخذون واحدًا فواحدًا.. يهتمون بأمور المعيشة والعيال 
وترتيق الجوارب وقضايا التحرير ولاعبي الكرة 
وغلاء أسعار الأحذية 
ويجلسون في ـ المقاهي ساهمين 
يعرفون ناسا آخرين يشاركونهم وقتًا يضيع بين أجساد النساء 
والنرد والدومينو والكلام البارد والحماسي حول الحياة والموت 
والأمراض التي انتشرت ـ فجأة ـ وقتلت في سنة واحدة 
صديقين وعمة وابن خال ـ وكيف أن الناس لا يكلمون 
أنفسهم في الشوارع كما لاحظوا من سنين 
وهكذا كل يوم.. 
يكتشف أنه مرغم على العودة إلى شقته.. فيمشي في الشوارع
 يداه في جيبي بنطاله وعيناه نصف مغمضتين ـ يدندن.. 
ولما تصادفه حصاة "يشوطها".. 
يأخذ شهيقًا عميقًا ويدور بأصبعين قرشًا نحاسيًا في جيبه.. 
وأيضًا.. 
خلف باب حجرته 
يشعر باكتئاب شديد لا يخرجه منه حتى "على الحجار" 
يجلس طوال الليل يُقلب في الكتب والورق 
والصور ويتنهد.. 
وربما يوقظ امرأته من "عز النوم" ليمارس معها الجنس
 ثُمّ يدخن سيجارة مع كوب شاي 
في الشرفة.. يُحدِّق.. 
فيسمع من يقول 
كل الآخرين أشباح 
ولما أموت أنا 
فكل شئ يموت.. 
ثم يندهش جدًا.. 
لما ـ لا يجد أولادًا يجلسون في ظلال الأعمدة والكباري 
يقامرون وفي كفوفهم تلك الصور الصغيرة 
ولا يجد أسماء جديدة وتواريخ جديدة ومصر وإسرائيل والله أكبر والأهلي والزمالك والفوانيس ـ وشتائم ـ وللذكرى الهباب وأيام العذاب ـ واُنظر لآخر السهم ــــ يا حمار ولا يجد من يفضفض لهم عن هذا الشعور حتى في حضن زوجته وكيف أنه لا يجد في الشوارع حصى وغطاءات علب يشوطها ويأخذ شهيقًا عميقًا ليستريح.. 
















وهي في حضني أحب عد ضلوعها


ودائمًا تبدأ حديثها بعينيها
إما تفتحهما على آخرهما مَرّة أو مرتين
لا تنظر لك وأنت تكلمها 
هكذا- إذن.. 
أعود ﻷبدأ من جديد 
ولا أحد يدري.. 
سبعة عشر عامًا أمامي 
طفل في الثامنة أذهب للمدرسة 
سمين جدًا بشعر ناعم طويل 
تحبني المدرسة وتقول لي أنت هادئ جدًا وذكي 
والأطفال الذين يحبونني يعيرونني ﻷنني بطئ جدًا وعبيط 
يأكلون "سندوتشاتي" ﻷحرس مرماهم وحقائبهم ولا يضربونني 
 منذ سبعة عشر عامًا.. ملفوفة في لفائفها البيضاء
 فكرت أمها في يوم تصير عروسة وكيف تعلمها 
الطهي والغسيل وتبكي لما تقبلها في "الكوشة" 
ولا يفكر فيّ أحد مطلقًا..
أنا السمين الشاحب الذي يجمع الحصى لبنت 
بحاجبين متصلين ويصطاد السمك ويمشي بجوار الحوائط 
ويذهب إلى جدته في دمنهور ويمشي في الشوارع 
ربما مررت على بيتها وقلبي يدق وعيناي مفتوحتان
 سبعة عشر عامًا 
ولا أحد يدري
 أمها تموت بعد خمسة أعوام وقد أنجبت بنتين وولدين توأم في اللفة 
وأيضا أحب البنت بحاجبيها المتصلين وتخونني- وتتزوج خالتي أباها 
وتتركني البنت ﻷرى أسودَ 
ومستقبلي الذي لا أرى ملامح له 
ويتوهم أخي أنه يحبها- ربما ﻷنها سمراء 
والبنت التي عضته مرات كثيرة ولوى ذراعها كلما جاءت عندنا 
تزوجت غيره ـ أيضًاـ 
وربما لأنها غلبانه
وربما ﻷن روحي بدأت تروح إليها 
وأشياء كثيرة أخرى-
 فمثلًا في نفس الليلة 
لو تخليت عن حرصي الزائد وقلت له- بدأت روحي تروح للبنت 
الغلبانه السمراء ذات الوجه الفرعوني - بالطبع يسكت- 
ولما أحمله خطابًا لها يسألها هل تحبينه.. فقط يسألها.. فتزوم 
وتدق بقدميها الأرض وتفتح عينيها على آخرهما أو لا تنظر له مطلقًا 
وتقول..
)قالت لي أحبك أنت وليس هو - ولم أصارحه) 
ولما عاد مزق خطابه - وارتدى دبلة بلا روح في أصبعه 
وأتهمني بالخيانة.. وحاول ثانية - ها هو يتوهم أنه مضطهد 
ويقول سنوات عمره للموت 
ويبتسم هذه الابتسامة التي لا تعني شيئًا وانتشرت فجأة
احضني بقوة.. سبعة عشر عامًا في حضني تتنهد وتقول لي 
أنت كل شئ في الدنيا - وأنا أفكر في المادي والنفسي والوهم 
ومناقشة المفاهيم والقوى الروحية للأشياء وروحي التي تروح 
إليها وطعم شفتيها وتكويرة صدرها في كفي وعينيها الواسعتين.. 
وأنها ربما ليست لي أيضًا- ومستقبلي الذي لا أعرف ملامح له
 وكيف يدفعون خالتي لتفقد إنسانيتها قبل عقلها 
ويخلطون الأمور ولا يملون المواضيع المعادة التافهة 
سبعة عشر عامًا في حضني تتنهد وتقول احضني بقوة..! 









وهذه الجلسة جلسة اللذين ينتظرون الفرج


في أصبع يدي دبلة بلا روح
أدورها ﻷداري ارتعاشة 
وأنا أنقل قطع الشطرنج 
بجفنين مرتخيين وشفة ملتوية 
ثُمّ أُطوح رأسي للوراء 
أُقبل سبابتي وأعضها 
وكل يوم 
يقول " فوزي" لما يراني
واحد قهوة مضبوط 
وأيضًا 
الوهم بسيط جدَا - وجميل 
وحرق الدم ﻷسباب تافهة 
عادة حياتية 
فمثلًا 
أنصت باهتمام بالغ - لحديثه عن البنت 
البنت التي يحاول يحبها- وكيف أنها خلاصه الجديد 
ولم تقل له شيئًا - تقريبًا- سوى تعليقات عادية 
عادية جدًا وربما أهمها عن صلعة 
سوف تزيده وسامة- قال هذا ثُمّ هام 
يثرثر عن مشاريع مستقبلية ووجود دافع 
وبنت تزعل ﻷجلك وتفرح لمجيئك 
وأصابعي تدور الدبلة الفضية وعيناي مغمضتان وعلى شفتي ابتسامة
ولم أصارحه فربما البنت الغلبانة خلف باب حجرتها سرحانه في عيني ممثل وسيم 
أو في يتمها أو فيه أو في مدرسة اللغة الإنجليزية 
وحاولت أقول شيئًا عن حاجة الإنسان والعلاقة بين النفسي والمادي.. 
ولا أعرف لحظتها ما الذي حَوّل الكلام إلى أهمية مناقشة بعض المفاهيم 
وإنسانية خالتي وموت أختنا وطيبة جدي.. 
وربما.. 
بعد عودتي من دمنهور - آه تقريبًا-
فكرت أتخلص من هذه السلسلة الصدئة 
والدبلة التي لم أعد أشعر بوجودها إلا وأنا أدورها
وأواجهه بصراحة: 
          لقد فكرت في هذه البنت الغلبانة- مثلي- قبلك 
         وهذه البنت الغلبانه قالت لي- أحبك 
        وــ لا تسمي هذا خيانة 
        ولا تبتسم هذه الابتسامة- التي انتشرت فجأة 
ثُمّ  
لماذا حرق الدم ﻷسباب تافهة 
عادة حباتية.. 
لابد أتخلص من السلسلة الصدئة
وأُلقي الدبلة في الماء

للأشياء قوى روحية 
فمثلًا.. ماذا يدفع هذا الرجل المتزوج 
ليحتفظ بقطعة قماش عادية جدًا
في درج مكتبه المغلق.. 
عشرون عامًا تمر
والدرج يُعاد ترتيبه مرات عديدة 
وفي كل مرة يفتح المظروف الصغير
يمسك قطعة القماش بأصبعين ويقبلها
عشرون ثانية تمر 
ربما يرى فيها البنت أو يلمس يدها 
أو لما يفيق يشم رائحة عطرها الرخيص العيالي 
وطعم شفتيها على شفتيه.. 
     - روح البنت تكمن في قطعة القماش ـ
فقط - تحتاج أصابع الولد وعينيه المغلقتين .. 
وأيضًا - سطوتها ليست بسيطة.. 
فلي سنوات ستة أردد - لقد خانتني- 
ولما أدور الدبلة الفضية أو أداعب بأصبعين 
السلسلة الصدئة حول عنقي أغمض عينيّ 
واتنهد - آه- هاهما عيناها تبربشان وشفتاها الرخوتان على شفتي
وأيضًا حركة أصبع قدمها الكبير المتوترة
 سنوات ستة وجسمها أقرب من روحي إليّ 
فقط أدور الدبلة أو أداعب السلسلة الصدئة بأصبعين.. 
لكنها هناك هناك هناك
تسرب روحها في قطع الأثاث وشعر صدره 
وضفيرة طفلتها- هناك هناك هناك ــ 
عشرون مرة تمر
 تقول لى أريد أعود ولا تعود..
فأداعب السلسلة الصدئة والدبلة بأصبعين
 ولا أتنهد- أغمض عيني ولا أراها
هناك
وجسمها أثقل من روحي عليّ 
روحها أبعد من جسمي إليّ
لابد أتخلص من السلسلة الصدئة
وأُلقي الدبلة في الماء.. 





والدبلة الفضية- الآن- مستقرة في قاع النهر..

قطار التاسعة يمر سريعًا على الحقول والبيوت والبشر وعيناي تحدقان في المصابيح ــ المصابيح المضاءة على أبواب مغلقة وناس لا ينتبهون مطلقًا - لوجودي 
ولا أعرف كيف أفكر اﻵن في بنت أخرى تنتظر عودتي 
أرى عينيها الواسعتين ووجهها الفرعوني وليس بربشات وحركة أصبع متوترة لبنت قالت- لن أكون لغيرك- واﻵن تتهدج أنفاسها في صدر آخر- أدور الدبلة الفضية واتحسس 
أسمها المنقوش- ولا أزفر بشدة- والقطار يمر على بلدتها.. فقط أدور- أبتسم - ولا أشبك أصابعي وأتنهد وأنا أتمتم باسمها وعيناي مفتوحتان على آخرهما وقلبي يدق وعينا البنت الفرعونية في عينيّ وصوتها في صدري والدبلة على طرف أصبعي والقطار يمر على النهر فأطيرها في الهواء للماء لتبتلعها سمكة أو يأكلها الطين.. ولما أبتعد كثيرًا.. 
أرى الحروف تطفو على سطح الماء وأشعر انني خفيف بلا سلسلة على رقبتي ودبلة في أصبعي.. فأردد .. الأشياء لا تحدث والوهم بسيط جدًا وجميل والحياة تحيا وليس تحب تحيا 
وأشير لصحبتي في المقهى.. وأسأل عن عزيز الذي يتهرب مني
يوم يروح من أصبعي أثر الدبلة لسنوات ستة أشعر بجسمها أثقل من روحي عليّ 
فأسرب روحي لعيني البنت الواسعتين ودبلة فضية بنقوش فرعونية حول أصبعي.. 







فقط تقف هنا في نهاية الشارع وليس تحت المظلة..

أنت
جرب تقف تحت المظلة 
وتنتظر من الثامنة الباص الذي 
يأتي دائمًا في الثامنة والنصف
جرب تمسح زجاج نظارتك 
وتُحدِّق في وجوه الناس وتبتسم 
جرب تمشي بطول امتداد الظل 
وتردد نفس الأغنية الشجية.. 
جرب..
والآن أخبرك بشيء مدهش 
أنت تنتظر بنتًا لن تجيء 
ﻷيام كثيرة التقينا هنا
والمظلة هي المظلة
والباص يذهب إلى العباسية عبر شوارع شبرا المزدحمة 
ومن شهر واحد .. فقط .. هجرتك 
وأيضًا 
لو مشيت عشرين خطوة - إلى نهاية الشارع 
وانتظرت خمس دقائق طويلة 
لرأيتها تنزل من بيتهم القديم 
وتمر أمامك- بالضبط 
ولما تقول لها صباح اﻷخير- تبتسم 
وينتهي كل شيء.. 
تصور..
وربما لا تنزل اليوم- ولأيام أخرى 
هكذا  ولا تخرج إلى الشرفة 
لكنها لابد تنزل وتشير لأختها 
وتمر أمامك وتبتسم لما تقول لها صباح الخير
فقط.. تقف هنا في نهاية الشارع..












شيماء واقفة امام الباب تبتسم
                                                                      إلى شيماء بالتأكيد 

في الباصات وعلى الأرصفة
يهبط ملاك.. في الثانية عشرة والربع تمامًا 
تحت شجرة ليمون أمام الباب يبتسم 
أنتظرك 
في الثانية عشرة والربع تمامًا
كل يوم.. كل يوم
أمك تقول
شيماء بنت هادئة
هادئة جدًا.. وجميلة
لم تضرب الغطاء بقدمها- لتقوم 
دائمًا تبتسم
وتشير لنا في الشرفة
العصافير لا تأكل إلا
في الثانية عشرة والنصف
والعروسة من سينفض عنها الأتربة
والولد الواقف في الشرفة المقابلة 
في الثانية عشرة والنصف تمامًا
يقولون لي.. 
شَرِّح جسم شيماء
أقول
شيماء.. حتمًا.. ستقوم 
تقف أمام باب المدرسة
تحت شجرة الليمون
هادئة جدًا- وجميلة
لا تضرب الأسفلت "ببوز الجزمة"
وتبتسم 
يصرخون
شَرِّح جسم شيماء
أقول
العصافير لا تأكل إلا 
في الثانية عشرة والنصف
والعروسة من سينفض عنها الأتربة 
والولد الواقف في الشرفة 
وشيماء هادئة جدًا وجميلة 
تحت شجرة الليمون
أمام باب المدرسة
تبتسم.. 










2

نفس الأشياء ثانية










" من الأفضل البدء بسؤال: أي نوع من الأشياء بمعناها الواسع هو الشعر؟ وعند الوصول لإجابة نكون مستعدين أن نسأل: كيف يمكننا أن نستخدمه ونسيء أستخدامه؟! وما هي الأسباب التي تجعلنا نعتقد أنه ذو قيمة ؟"

"إن الشعر لا يقول الحقيقة الحرفية عن العالم الحقيقي غير أنه يقترح اتجاهات تمثل توازنًا للجهاز العصبي يستوعبها قارئ مؤهل بشكل ملائم." 
           
                               I.A.Ricards
                                        آي. إيه. ريتشاردز
                                                             من  كتاب (The Meaning of Meaning ــ معنى المعنى،  1923)










1

أنا 
من يصنع تلك الهواجس 
ويزحم الصدر بالذي كان
صوت البحر في الرأس
وصوت تهشم القواقع
تحت الأقدام الكبيرة .. المتسكعة .. 


أنا
من يختلي بي
أُقرفص في ركن
وأُحَدِّق في ركن
أُقشر الجلود
وأغرس أصابع في مكمن الوجع
لابد من هذا العذاب 
كي أراكم كما ينبغي..



أنا
من ينصب لنفسه الفخاخ
وأدخل المعارك
التي لا ينتصر بها أحد..
هكذا
أختار دائمًا غير الممكن
متخذًا هيئة المندهش في امتعاض 
أعرف كل الذي أراه معاد 
وأحيانًا
آخذ هيئة المنفلت من فخ الدببة
أهذي بكلمات عبيطة 
وأقفز.. أشوح.. أسقط.. أتمرغ
ثُمّ
أقف متسمعًا
أطلق صيحة فزعة
ودماغي تجذبني لفخ الدببة - ثانية
تقريبًا 
أنا مصاب بجنون 
من نوع خاص
    وعجيب

2

لو فكرت قليلًا 
وأنت تسير في أحد الشوارع الجانبية 
آخر الليل
قد تشاركني بعض همومي 
لو فكرت قليلًا 
وكل الشبابيك مغلقة
والأضواء مطفأة
لا صوت يصل إليك
إلا خروشة وطقطقة 
ستظن لحظتها 
إنك- وحدك- تملك الكون 
تمامًا.. 
ستسرح طويلًا 
تستحضر من رحلوا
وتحقق كل التنبؤات- غير الممكنة 
وتقول 
لماذا كل الأشياء الجميلة تضيع
وهي سهلة ورخيصة؟
ثُمّ
تأخذك النشوة السادرة
وتخرج من الغيبوبة
تحمل عالمك 
تأتي  بأفعال طيبة وبسيطة 
وتقول كلًاما جميلًا وصادقًا 
وتبتسم..
لكن 
لماذا دائمًا
تحت العمود ذي الإضاءة الخافتة
يقف هذا الرجل الغريب
يُبَحلِّق
وفمه مفتوح على آخره
وذراعه صاعدة في الهواء.. 









سوف أترك هذا الولد 
نعم- هذا الولد
الذي يتدحرج على الأرض.. بلا قامة..
سوف أتركه يسقط في البالوعة
تمامًا.. هذه البالوعة في منتصف الشارع 
بين صراخ أبويه الممطوط- خلفي 
وصرخته
أتركه يسقط
وأُرَبت على جسم أمه- كله
وأبصق تجاه أبيه ذي الجسم الممشوق والصحة 
الموفورة
وسوف..
تصور..
لا أستبعد
أبكي بعدها أيامًا
وأصاب بالاكتئاب المسائي والهلوسة
هذا.. طبعًا..
إذا لم أقفز خلفه 
بعد القبض على نهدي أمه
الآخذين في الترهل.. 
4

سوف أُجن 
وأسمعهم وأنا أجري 
في جلبابي الرث تحت المطر 
يتهامسون
مجنون..
وآخر يعرفني 
يقول في هلع صادق- جدًا
كان طبيبًا وشاعرًا 
والله- أنصتوا
سيغنى الآن للحجار 
فأغني 
"ما تغربيناش 
أنا كنت عيدك 
وأنا فـ التوهه فـ الزحمة 
بأضيع لا راحة ولا رحمة 
تعالي.."
ويشتد المطر 
فأجري .. وأجري 
عشر سنوات أخرى 
بعد السادسة والعشرين 
اسمع أني هوس الشعراء
وكتابة الرماد- كتابة عصر 
والبنت صارت أُمًا
لبنت لا تشبهها 
وولد لن يشبهني
والعالم يحاول يفنى 
والموت الطيب صار- ضنينًا 
وسأسمع- أيضًا 
نبأ رحيلي
وألمح دمعًا في عينين اثنتين 
ثُمّ- أعدو 
ﻷموت- وحيدًا 
وتنهشني- تمامًا 
القطط والفئران- وأتحلل 
ﻷصبح مفقودًا..





5

هل جربت هذه اﻷشياء 
أنها قاسية جدًا ومخيفة 
تبدأ طرية وناعمة- بلا رائحة 
وفجأة 
وأنت مغموس فيها حتى الرقبة 
تصبح لزجة جدًا- وعطنة
هكذا هي في الواقع 
فمثلًا 
الرجوع
واستحلاب ما تحمله اﻷمكنة 
حتى المرارة 
والرقبة تحمل رأسًا مشوشًا- جدًا 
يدور- عله يلمح طيفًا 
يسمع نبرة أو يلتقط رائحة 
تصور
حتى في حضرة الجسد 
تكتشف
.. الذي كان لا يعود..!!

6

واضح 
فهذه اﻷشياء لا يمكن استعادتها
يا مخبول 
هذه اﻷشياء تختلف- كثيرًا 
أتذكر
تلك القبلة اﻷولى- ليلًا 
ورائحة طعام العشاء منها تفوح 
همهمات الليل
والخطو متعثر جدًا 
كثيرًا
تحاول تسترجع تلك اﻷشياء 
وتعاني
تتفصد عرقًا- وترتعش 
خاضعًا جدًا- ومزريًا .. 
يا مخبول هذه
العجلة الدوارة
دهست كل اﻷشياء
والريح ذرتها 
واضح.. 
7

وهذا - أيضًا
ليس جديدًا - أبدًا
لن تفلح
وأوراق نباتات جافة
انتثرت في مواطئ القدم
ودخان.. 
عبق سحري
في رائحة الجسد
وطعم الشفتين
أف.. 
لن تفلح 
فاءنس 
للجدران
وأمح
من وجوه الناس 
فى الطرقات والغفوة- الملامح
وامتعض..
"راح إللي راح ما عدش فاضل كتير" 
قَلِّب في الخيالات كفيك
وأختر ما شئت
طيفًا حييًا فجأك
وابتسم
لبربشات جفن- أرقك
وانفراجة شفتين
وتأوهة في صدر ضعيف
انفرج  لك قليلًا- وخبأك 
أف.. 
الماء عليك انسكب
حتى لو جففته
أو انصلبت للشمس
أو جلست للهب حتى أحرقك 
الماء للجوف قد نفذ
والقلب مازال يدق
القلب ما زال يدق 
أف..
الأخضر بدأ يسيل عليك 
لن تفلح 
فاحت رائحة العفن منك..
  

8
والمطبق على الصدر
مطبق على الصدر
والخطوة
بيني 
وحبيبي
براح
منفتح كُلي على أطلال وخرائب
قبح قارح وقح
مخبول
يفتح ذراعيه
والمشهد صلب
تقليدي جدًا- ومقزز..
خطوة- خطوة
إلى أعلى
وأيضًا
الناس يولدون
ليموتوا
أو ميتين
ولكن ليس بهذه البساطة .
9
وحتى الذين
لم يكونوا- كانوا
أي شيء
لا يهم..؟!
وأنت
لماذا تبتسم؟
هل كل شيء على ما يرام؟ 
والأخضر - رطبًا ولزجًا جدًا 
يغطى كل الأشياء
وأنت 
لماذا تبتسم - كعجوز؟









10

أحيانًا
أود لطم كل الوجوه 
والصراخ
أنتم
جميعًا
متخلفون
لكن
فجأة
ابتسم
وأردد
" الأشياء لا تحدث"
ثُمّ 
ماذا يضير أنصاف الآلهة 
فالرعاع والهمج 
يدفعوننا- دائمًا- للسمو 
وأحيانًا
أغمغم
والله أنت عبيط ..

11

ولكن
لن أتمكن من الاستمرار
لن أبقى.. أكثر من ذلك
حتمًا- سوف انزلق.. 
لا 
لا يمكن..
لن أعقد يديّ على صدري
وأضطجع للخلف
لا
لا يمكن..
لن أقضي العمر
أستحلب مرارة أنني
لم أعرفها لشيء آخر
لا
لا يمكن..
لن أسمع همس الناس عليّ
ولن ابتسم لأحد- قط
سوف أكون فظًا وعنيدًا
 لا
لا يمكن ..
وهذه الجدران العالية
تحادثني ليلًا وتتشكل 
كل جدار أنثى من جنس
واللحن حزين جدًا وممل
لا
لا يمكن..
أخسر معركتي وانسحب
أترنح وحدي وأستند فأسقط
أهذي وأبتسم وأبكي وأتشنج
مفقوء العينين أغني..
اعطني عينين
ولسانًا وشفتين
وعودًا بوترين
وكفًا بأصبعين
وخليلًا- ﻷغني..





12

مرغم 
أحبس جسمي طويلًا
أطلق روحي وأسترجعها
أرى - وأسمع
وأكتم أنفاسي
- هذا لا يحتمل- 
عفن يزحف على كل الأشياء وأنت
أكتم أنفاسي
وأزوم- محمومًا 
أتخبط بين الجدران العالية
وأهذي..
أُغمض عينيّ 
- لا أحتمل- 
عفن يأكل كل الأشياء
بشبق شاذ للصغار
- كيف أحتمل-
مرغم 
أطلق جسمي فينتشر بينكم 
إبرًا تنغرس في الحدق 
أصرخ
العفن
الصغار
يا ناس


وهذا أيضًا لن يجدي
الناس أصبحت تفر من الرسل 
وسطوة الجسم رهيبة ومقرفة
أكاد الملم جسمي- ثانية..
وأعود إلى مقبرتي مختارًا
أطلق روحي أحيانًا 
غير مهتم بعودتها
وليس لديّ لكم سوى شفقة
وشفة سفلى ملوية في امتعاض
... وتمشون
تسبقكم رائحة العفن للموت




13

والذين رحلوا
تخلوا عنك ورحلوا
جميعًا
أقاموا الحرائق فيك
دفأتهم 
طوقتهم
صعدوا إليك
وخفقوا... للبعيد
رحلوا
وحاضناك طوقاك 
حزنك - الآن - غريب وغبي
حز في الرقبة.. غائر وغرغرينة 
حيرة حمام ينتف ريشه
حرب صلت فيها السيوف والخيل حم وحم
دم من جهاتك انطلق فدم ودم
جسمك انتفض تحت الشمس فانتثر
والتم- ظلًا رهيبًا في الليل غم وغم
تصارعه- يصرعك- ويصرخ- قم قم
فتصرخ
يا حزن
الذين رحلوا- رحلوا
فدم ودم..


















14

وكل الذي تبقى 
هو أنت..
هاجس هائم
بين هدمك 
وهدرك
هدهدك
الطيف بالمقلة قد علق.. 
يا أخي 
أنت لم تر.. 
مسك مشرب بخمر.. 
عروس نيل 
عادت وليست ببكر..
شربت 
وانفتحت لي الأبواب 
دخلت 
الغيبوبة- ولم أعد 
يا أخي 
كل الذي تبقى
تلاشى
15

وأحياها كرجل مسن- ينتظر هطول الأمطار..!!
جفاف..
والذين يكبروننا بأعوام كثيرة 
هؤلاء.. 
من شربوا الماء من النهر..
رقصوا تحت المطر..
وضاجعوا النساء..
هؤلاء
يتنبأون لنا 
يقرأون المستقبل..
بجفون مثقلة من التخمة 
كل السنين القادمة- لكم- جفاف..!
كلامهم دائمًا تحوطه تجشؤات كريهة..
حسنًا
ارحلوا..
بطول امتداد قاع النهر المتشقق 
ارحلوا لعلكم تقابلون في الطريق الغيوم والكانيبال..
حسنًا
سار الأولاد الممصوصون ناتئو العظام غائرو المحاجر 
يفركون التراب ويتمصصون الحصى والنوى 
ويحملون قرص الشمس في الصدور 
وفي الظهور ترتشق النبال..
حسنًا 
لو نزل المطر غدا 
أمنية صغيرة أخرى ..
ماذا يمكن أن يحدث..؟!!
ثُمّ 
يا ناس
لا تضعوا أيديكم على وجوهكم 
ورءوسكم بين الركب وتقرفصوا 
فالموت جوع 
الموت غرق.. 








16
وأراك - ألآن 
منتشرًا
تقف على شاطئ النهر 
وتزفر..
صراخك
صار فتح فم بلا صدى..
صدف وصبار وحصى.. 
وتزفر
تود صدرًا تلتجئ إليه
تسر إليه
ساكن الأطراف يسمعك..
يهصرك
يردد عليك رقياه..
يطرد من رؤياك خيالات جن فَزّعك
تزفر..
وببغاوات تخرج من قاع النهر شائهة 
الصبر والسلوان.. الصبر والسلوان..
تحط على رأسك وتنقر مسمعك 
تزفر..
ومشطورك كابوس يقض في الليل مضجعك..
17

وأنت 
لست حقيقيًا.. كما ينبغي 
تحاول
تبدو حقيقيًا ومدهشًا 
لكنك مدفوع يا مجذوب
نحو اكتمالك المقيت 
مختارًا تمشي إلى المحرقة 
فوق الجبل قرب العين 
فيفر عنك المغرمون بالعفن
وتبقى أنت- مؤرقًا 
فأنت
لست حقيقيًا كما ينبغي
مازات في المغرم بالعفن
تهتز..
تحاول تمشي بين الناس
وتختفي..
حتى تصبح مفضوحًا تمامًا 
يا أنت 
إن الذي بك.. مهلك..
18

"وأعود ثانية 
بيدي على فمي
متهيئًا - للنداء.."*
وأتناسى
كل الحروق والندوب 
والبقع الزرقاء على جسدي 
جثة شائهة
ولسان يمتد من حين لآخر 
وابتسامة عجوز جدًا - وعبيطة 
لا أندس بين الناس- أبدًا 
أراهم- أراقبهم- وأندهش..
أنزوي في ركن غرفتي 
والمطبق على الصدر
والآخر
الشاي المر.. الكتب.. الورق 
أشياء كثيرة تحز في الرقبة 
أتأمل 
الأولاد والفراش 
الدنيا والفراش
أنا والفراش..
يااااااه
المطبق على الصدر
مطبق على الصدر
وأشياء كثيرة لا يمكن تجنبها 
صور ترتعد خلف الحدقة 
وحز في الرقبة..
فأنزوي
أزوم
أرتعد
وأُنهنه..










19
نفس الأشياء- ثانية
هئ.. هئ..
حتى سكبك- غير المقصود
للحبر الأسود
من المحبرة المفتوحة
على القصيدة.. بعد تمامها
هئ.. هئ..
وأيضًا تبدو كأنك ستعود ثانية 
تباعد بين ذراعيك
وتصرخ
ثانية
تبتسم في وجوه الأولاد
وتحاول- تنبس
أعرف يجب تحذرهم..
ثانية
تقف على شاطئ النهر- وتزفر
ثُمّ بعد انتصاف الليل
تعود إلى حجرتك 
هئ.. هئ..
ولسانك.. رغمًا عنك.. يمتد..









3




بالقرب من جسدي


إلى" سعاد نوح " التي رأيتها وعرفتها بعد موتها
في رواية " كلما رأيت بنتًا حلوة أقول يا سعاد"


إلى " سعيد نوح "....
ولد آخر.. غيري.. طيب جدًا وجميل..


كل ما هو جديد في الأدب
ليس إلا قديمًا مطروقًا..
أما تجربة الذات فشيء لم يوجد أبدًا
تودوروف
" الأدب العجائبي "







لابد تقف.. لابد تقف.. لتتأكد من شئ واحد.. فقط
وجودك..
وربما تحصل على شهقة طويلة وزفرة مماثلة..


يا أولاد ..
أردت أبني عشًا فوق العشب
لكن قدمًا وطأت..
عمر آخر سوف يمر
ووجه سوف يداريه الكف 


وأخي لما فتح عينيه على صحراء
ملأ كيسين بالحصى.. وبكى


للذين يقفون بالقرب من جسدي
متوجسين
ثمة معجزة في الطريق


يبدأ الآن من جديد 
يضع العلامات على أبواب الدور
ويمر آخر يطرقها
آخر الليل يقول للذين يردون
يا ناس.. أنا الذي أخترت.. أنا من وضع العلامات..


- لا أحد -
فقط - آنية آن كسرها
ونبتات للتشرد 
ماء بملح قضم طميًا 
من تحت قدمي- واعتلى..


قريتي كانت بدور وطيئة من لبن
غيطان واسعة
وماء ينساب.. 
فقط
حصان عجوز
ولد بجوف شجرة
وأنا بامتداد النهر
غابة مهملة
ليست نايًا ولا شِصًا
فقط غابة مهملة


البنت نفخت فيها من روحي ومنحتها صوتي 
تخفق نشوانة بين الملاك والعفن
أردد أمامها دائمًا
يا بنت- قفي وراء ظهري
وامنعيني من السقوط
تحت وطأة الذين على صدري يتدافعون


" وفي الشكل ينبت الاغتراب
علامة الاستفهام بتكبر
دلوقتي جاز الانتهاء"

للذين يخرجون للطرقات كل يوم 
يدفعون أمامهم هواء ثقيلًا ويزفرون 
تنبأت لكم مرة 
لكنكم وأنتم واقفون أمام جسدي في الميدان
همستم بكلمات مثيرة وتدافعتم تزفرون
بينما وحدي أجلس مهمومًا بنبوءتي
وبكيف أُسرب من ذاكرتي بنتًا لبنت


وما كشفت لك من مخبوءات
إلا وأغوتك بمخبوءات أُخر


منهوك جدًا.. أروح وأجئ أجئ وأروح 
من هنا ألمح طيفًا حيياً يقترب.. أرتعب 
أٌهرب عيني- "وأقف بيدي مستعدًا للنداء.."
(أظن لما يسمع صوتي يقف- يندهش 
أقول له أنا الولد الطيب الذي ساعدك على عبور 
الطرقات المزدحمة- مرة- يحتار 
أقول له- تلك أمارتي- 
كانت العربات الطائشة طائشة 
همست لا تخف.. وكنت تتمتم 
لا أخاف سوى الله - لا أخاف سوى الله )
أفتح عيني - فأرى غبارًا وعربات طائشة 
فأروح وأجئ وأجئ وأروح


دائمًا
ماء تجاهك - ودم ..
هروب هادئ يهادن هجمة الهم..


ويقف رجل في ميدان متجهمًا جدًا- ومهتزًا..
زوغ عينيه بين محاولة رؤية في وهج شمس 
وشرود لشذى شده لبنت نزقة تقبع في قاع الذاكرة..
وبسط كف مرتعشة وقبضها- ثُمّ قفزة رائعة 
لجوف باص مزدحم..

أُشير بسبابتي ناحيته- وأحجب بالكف اليسرى دخانًا 
يهاجم عيني المتعبة..
"وتنزلق حبات المطر على الزجاج مخلفة خطوطًا متتابعة
تجعل الرؤية غير واضحة فيضيق عينه..
هل راودتني تلك الأسئلة..؟!"


تكون عداءاتي مع المساءات الشتوية 
ومع المطر الذي ينزل فتصبح كل الأشياء موحلة
ولما أرتعد في حجرتي ولست محمومًا 
أتسمع.. يؤنسني وقع أقدام 
ربما تكون مقبلة..


"لا تفري من يدي مختبئة 
خبت النار  يحوف المدفأة .."


والذي وقف جواري ذات صباح شتوي
رجل في الأربعين.. تبادلنا ابتسامة عابرة 
وتعليقًا حول الجو البارد والمطر الذي لابد يسقط 
واستدرنا والقطار يأتي مسرعًا 
سمعت صرخة مفزعة ودماء دافئة على قميصي 
تسيل.. كانت لفافة تبغ.. ندهة من البعيد 
وخطوة ضائعة..


"وتأملت الصورة.. هو هو... لولا اللحية والشعر الهائش
والدماء التي نقرشت وجهه وصدر جلبابه الأبيض.."


يوم أمر على قريتي الصغيرة في قطار مسائي 
أستسلم للذي ينفض  عنه الركام ويطلع من قاع 
الذاكرة- متعثرًا..
أهمس- سلامًا طيبًا يا أيها الغافلون
وأغيب في شهقة طويلة 
أرى الذين رافقوني في الدروب 
الضيقة بين دور من لبن 
وأنفاس طيبين تملأ
الصدور براحة طيبة ..
ماء يسري بين أخضر
وسماء في النهارات زرقاء صافية 
أو بغيمات طيبات يرحن ويجئن فوقنا 
وفي المساءات
ترشرش حلقات الصغار بنجوم طيبة..
 يستدير القمر لما نتصايح ونشير له براحات صغيرة 
أن اتبعنا للجرن حيث الوسع  
ويبتسم للولد الذي بين البنت والآخرين حاجبا..


يمر القطار سريعًا على قريتي الصغيرة.. ولا يقف..
أتذكر.. كل الذين عرفت الآن بين مهاجر وساكن 
في بناءات الأسمنت يهزون الرءوس كالحكماء ويخشون 
في الغيبوبة هاربين من كل التساؤلات المتعبة


يمر القطار سريعًا على قريتي الصغيرة.. ولا يقف..
ولو وقف- أخاف لا أعرفها 
فآخر مرة 
            "كادت تقول لي من أنت..؟ "


"رعب أكبر من هذا سوف يجئ .." 

أترصد انفجارًا لا أعرف من أين يأتي صداه؟

يفرون .. ووقع الأقدام ثقيل- خطوة برمل-
لا صباح خير أو إيماءة بابتسامة جانبية...
وقع الأقدام ثقيل.. وقع الأنفاس ثقيل 
جفون مرتخية.. سحن متغضنة.. ذراعات تحتك 
بجذوع محنية في اهتزازات تبدو منتظمة والشفاه
متخذة هيئة المندهش في امتعاض..
معاد معاد معاد معاد
رجع خطو السابقين ثقيل
رجع خطو الهابطين ثقيل 
يفرون..


"انفجروا أو موتوا.."


البحر بالريح يا صوت المحار .. 


تصور ..
إنها تتقهقر لركن في الذاكرة معتم وبعيد 
أحايلها وأحاول أستبقيها تستبد.. وتستسلم 
للذي تقول عنه قدر علوى قسمة ونصيب..
"آدى إللي صار.. وآدى إللي كان.. ما لكش حق تلوم عليا.."
أتوسل.. وماء وجهي المراق يحاول يصنع جزرا يجذبها 
بعيدًا عن شواطئ عليها تصير الأحياء ميتة 
تصور:
لو كانت تطير وتحط وتحط وتطير
لكنت الآن غير مهتم 
أنها الآن ترتق مزوق الجوارب 
وتسرح لتدبر أمور المعيشة 
لتعيش مستورة ولا تنفضح..
ولما تنجرح يكون ألم.. ويكون دم 
أغتم.. 
وهي تتقهقر لركن معتم وبعيد
تقرفص ونحوها يسعى عنكبوت 
        وتسقط أتربة ..


 لما يعاودك الحنين 

يقول آخر لا فائدة .. 

والذي خبأته طويلًا
أنا ضعيف جدًا.. هش جدًا.. ومخيف 
أنا الذي تخليت عن البنت 
لكنها
خانتني 
"أعترف أنني تخليت عنها- بلا مقاومة.. 
لكنني لم أفكر في المسألة هكذا إلا 
بعد أن رأيتها تترنح على السلم في الصباح.."

"يجب علينا التنازل عن حبنا لكي لا نفقده 
يجب علينا أن نهلك حبنا لكي لا يهلكه الآخرون
يجب علينا أن نعرض عن جميع الارتباطات
تجنبا لحزن آت.."

"توجد طفولة وحيدة واحدة تتطلع بعينيها 
الحزينتين عبر الظلام .. "


يروح من بال الفتى أنه مخلوق 
وأنه قد رأى كيف يموت الصغار رُعبًا 
وكبف ينهش الصمت عقول الكبار..


وأنا طيب وجميل 
ولست كبقية الخلق عادي 


وليس كل ما تبقى مني 
                       مني
فاهزمني إن استطعت 
                    اهزمني..


ينفلت الفرخ الصغير من قبض كفي الصغير 
ولما ينقطع خيط الطائرة الورقيةـ ينفلت
من بين أصابعي .. ويروح في البعيد 
تنفلت البنت من حضني مخطوفة اللون جدًا 
متقطعة الأنفاس تجري متعثرة في بنطالي 
الطويل تحت جلبابها الخفيف.. 
وأنا أحاول أنفلت..

"يا صوتك المقفول علبا .. يا 
زمني البدائي.."

يا                          سِر
أنتبه أفتح عينيّ على آخرهما- وأدور 
يا     - كفاك توقف -   سِر 
أنتبه
ويكون رعبي من فجيعة 
فكل الذين تشكلوا 
بين أصابعي على صهد جسدي
التجأوا لغيري 
ولغيري يلتجئ الذين أُشكل 
يا                          سِر
أصرخ
يا كل البنات المتشابهات في رداء المدرسة
يا كل الأولاد الذين يقلودن المغنين في قصات شعورهم 
أخاف عليكم كثيرًا 
وأنظر متحسرًا.. آاااه
كم قلب سينكسر.. يا رباااااه
وأنا أصيح فيكم لا تخشوا 
مثلكم كنت.. ولست عاديًا 
                ولست إله
يا أولاد يا بنات 
الأشياء لا تحدث ولا معنى 
والآتي.. آت 
والذي فات ربما يكون فات 
لكن الذي يخاف يكون مات 
يا أولاد يا بنات الأشياء
من منكم يستطيع قراءة المحفور في الجباه..  


"هل يأمن حضن الريح 
طير مقصوص الريش جريح 
حتى والريح رخية.."

"وكلما رأيت بنتا حلوة أقول - يا سعاد .. "


أنا لا أعرف- بالضبط 
ربما أكون مغتاظا جدًا أو غير مبال جدًا 
كل الأيام ثقيلة الظل دميمة 
وكل البنات في الشوارع غبيات ومتشابهات
والأولاد بين أبله وطيب وجميل 
والهواء يا ناس لم يعد عليلًا 
ووجعي يكاد يصبح - للناس- عاديًا 
أرتبه كل ليلة.. ولا يتشكل 
ولما أهمس لصاحب مقهى 
          "لله خلق جميل"
تكون بنت جميلة قد ماتت 
وبنت جميلة تموت 


 يا ناس
أعينوا قلبي عليّ 
فكلما مشيت أرى الأولاد يتوهجون 
وأنا لم أتوهج بعد ﻷخبو.. 

"ولد كهذا لن يولد مرة أخرى 
سمين وشاحب ومحاط بحب الآخري "


وطعم المرارة 
طعم النبوءات المستحيلة 
لما تتحقق وتخيب..

يمر الآن طيف ..
ويكون حفيف ورفيف ورائحة سحرية..
يجلس بجوار ولد مغتم جدًا يحادث مخلوقات غير مرئية 
ويبكي لناس لا يعرفهم ويحب بنتًا واحدة فقط - رغم أنها تافهة جدًا وخائنة 
أحيانًا تكون كلماته عن الخلق والحب والبنت والأولاد والانكسار والكائنات العجيبة
في كونها العجيب..
 يندهش 
لماذا يبدو كل الكبار متخلفين ويتحكمون في مصائر الصغار..؟
يخش الدوائر مختارًا ويضع رأسه في فخاخ الدببةـ ولا تنغلق ..
فيدور- ويخش دوائر الوقوف كخيالات المآتة الحزينة في الحقول 
         - مشهد صلب تقليدي جدا ومقزز-
يصرخ- سوف أجن- ثم لماذا سعاد تموت، وهي تعيش ميتة
أو أنا أتأرجح بين أرض وسما.. 
يخرج لسانه قليلًا..
يُضيق عينه اليسرى..
يهزهز رجله اليمنى 
والنبؤات دائمًا تبدو مستحيلة 
لكنها غير ممكنة- فقط 


أغلق أصابعي 
بلا رغبة
يا خسارة 


يا ناس
أنا ميت 
يا من تقفون بالقرب من جسدي متوجسين 
لا تعتمدوا على هذا كثيرًا 
فثمة معجزة في الطريق.. 















المحتويات

1. هذا ما يحتاجه فقط                           
2. نفس الأشياءـ ثانيةً
3. بالقرب من جسدي
ــــــــــــ
الطبعة الأولى: سبتمبر 1996، سلسلة إبداعات، الهيئة العامة لقصور الثقافة










التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.